وسائل عراقية موروثة لتضريب أنواع من التمور

سنان أحمد حقّي  ـ مهندس  متقاعد ومنشغل بالثقافة ـ دهوك      

قد نتساءل عن كيفية الوصول إلى أنواع وأصناف جديدة من التمور لا سيما في الماضي حيث لم يكن متيسّرا أي نوع من التكنولوجيا الحديثة والتي هي الآن في متناول العلماء والزراعيين،لم يكن معروفا أبدا أي شيءٍ عن تقنيات التحسينات الجينيّة أو المعالجة بالمورثات أو الإكثار بالوسائل النسيجيّة ولا الهندسة الوراثيّة ولا غير ذلك من الوسائل الحديثة.
ولا تأتي المصادر القريبة قل لقرنٍ مضى أو أكثر قليلا على ذكر بعض الأصناف الشائعة الآن مما يؤكّد أنها ظهرت للوجود خلال تلك المدة وليس قبلها وهذا بعني ان الوسائل المتّبعة في تضريب أنواع جديدة ومبتكرة من التمور كانت سائدةً إلى عهد قريب جدا .
وفضلا عن أن إنبات أي نوع من النوى قد يؤدّي إلى إظهار أنواع جديدة أخرى ولكنها غالبا ما تكون أنواعا رديئةً وغالبا ما يُطلق على هذه الأصناف( بالدكل)أو (الغيباني!)وقد ينتج منها أنواع لا بأس بها في بعض من المصادفات والإحتمالات ولكن هذا في كل الأحوال لا يؤدّي إلى إنتاج أنواع جديدة ومبتكرة تواكب المتطلبات في الجودة وملائمة البيئة وغير ذلك من الصفات والرغبات.
وقد عثرتُ في كتاب رحلة نيبورإلى العراق والقسم الجنوبي منه أي البصرة وسواها في القرن الثامن عشر ترجمة سعاد هادي العمري والذي قامت مكتبة الأمل لصاحبها توفيق محمود حلمي بتوزيعه،عثرتُ على نصٍّ يُشير إلى أن المؤلف أي الرحالة نيبور سمع عن أن العرب إذا أرادوا إنبات نخلة جديدة قاموا بتكديس كميّة كبيرة من نوى التمر يضعونها بشكل مجموعة أهرام الواحدةَ فوق الأخرى على الأرض . ويأتي توضيح هذا في الصفحة 33 من الترجمة الموصوفة وكما يلي:ـ
" ونواةُ التمرِ الصلبةِ ، هي الأخرى لا تُرمى ، بل تُحفظ لغذاء الحيوانات وأظنني قرأتُ في إحدى كتب الرحلات أن العرب في البصرةِ ، إذا شاؤوا إنبات نخلة جديدة ، فإنهم يعمدون إلى تكديس كميّة كبيرة من نوى التمر يضعونها بشكل مجموعةأهرام الواحدة فوق الأخرى على الأرض ."....إنتهى النص.
وأظنه يكون من الأصوب للمطّلع أن يقول في الحفرة التي يُزمع إنبات النخلة فيها وطبعا يتلو ذلك الردم والتسميد والسقي وأظن كما يعرف من لديه اطلاع بزراعة النخيل أن السقي بعد الريّة الأولى يكون قليلا ومستمرّا لتحفيز النبتة على الإنبات ، ويعد ذلك فإن النوى الكثيرة ستتحفّز على الإنبات جميعا وتتنافس ربما فيما بينها ولن يتأكّد إنبات كل تلك النوى بل القليل الذي سيحمل خصائص جدية وصفات مبتكرة وبطبيعة الحال فإن الزارع له دور كبير في استبعاد الأصناف الإعتياديّة حسب الخبرة ولهذا السبب فإن نيبور عندما اتى على ذكر أصناف التمر في ذلك العهد وفي وقت زيارته للبصرة لم ياتِ على ذكر أصناف مهمة هي اليوم من أجود الأنواع مثل البرحي مما يعني أن هذا الصنف لم يكن معروفا آنذاك .
كما تجدر الإشارة إلى أننا لم نعد نسمع عن زراعة الأشرصي في البصرة وهو من منتوجات المنطقة الوسطى في الوقت الحاضر والحال كذلك بالنسبة لأنواع أخرى مثل المكتوم .
كما تجدر الإشارة إلى أن صنف الزهدي تتم زراعته في البصرة، فقط لأنه يشكل أهم أعلاف الدواب لاسيما الأبقار وكذلك سواها، كما أن الدبس في البصرة لم يكن يتم صنعه من كل أصناف التمر كما جاء في كتاب نيبور بل هو يُصنع من تمور القنطار بالدرجة الأولى لأنه لا يحتاج إلى غلي أو معالجة بل يتم وضع الركام منه في حوطةٍ من الطين مفروشة (بالحصران)ومتروكةً لحين حلول رياح جنوبيّة شرقيّة محمّلة بالرطوبة العالية وعندها تبدا المدابس بتسييل الدبس من التمر القنطارذاتيا دون أيّة معالجة أخرى وياتي المزارعون والفلاحون لمليء الجرار والأواني من مزاريب خاصّة معمولة لهذه الأغراض.وأهل البصرة كانوا إلى عهد قريب يُعيبون الدبس المعمول بالغلي ويقولون عنه(تفوير!!)وكان أهل البصرة غالبا ما يحفظون في بيوتهم عددا من الجرار أو (التنك)لموسم الشتاء والذي تتحول الطبقة العليا منه إلى جريش من السكّر الأحمر تليه كميّة من العسل الأشقر اللذيذ ولذلك يصطلحون عليه (المجرّش) .

 

 

 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                             اعلى الصفحة 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006