|
تراث
فني
محاور
في المقام العراقي ..
دراسة بحثية متسلسلة لمحاور تخص شأن غناء وموسيقى المقام العراقي
يـكـتبها في حلقات
مطرب المقام العراقي حسين اسماعيل الاعظمي ـ الاردن / عمـَّان
المقــــــدمة
كتب من كتب عن الفن الرجولي ، وأدلى دلوه من
أحسَّ أن الأمانة توجب عليه أن يثري ويغني المكتبة العراقية على
وجه الخصوص والمكتبة العربية على وجه العموم . ولما كان الفن
النبيل أو الفن الرجولي هذا ، وأعني به فن - المقام العراقي -
الاصيل ، قد تهادت الغيوم حول نشأته الاولى ، وهبَّت العواصف حول
ترعرعه ، وتبخترت الامواج حول صَمْدهِ وبقائه شامخاً … ولما كان
القرن الحادي والعشرون قد جاءنا محمولاً على صواريخ الفضاء الخارجة
عن تصور عقول البشر وخاصة أبناء الدول النامية ، فما بالنا إن كان
القرن العشرون قد وصف بعصر السرعة وبدأ القرن الحادي والعشرون يوصف
قبل حلوله بعصر الالكترون الذي لا أعتقد أنه سيبقى عند هذه الصفة
بل ستزداد صفاته بتطور العلم التكنلوجي المذهل – منذراً . بأن
السرعة هي العقل المدبر وأن نوع وكم الانتاج الفني هو المعيار
الوحيد للبقاء في الساحة .. فلا وقت لتضييعه ولامجال للذوق أن
يتحكم كما يحلو له وينتقي بدلال وهدوء ما ترنو اليه خلجاته الهيمى
ووجدانه الخجل …
أقول ، ان
دراستي البحثية هذه ، حصيلة فطرة وخبرة ودراسة وتجربة وتطبيق ،
آليت على نفسي فيها الدقة والصدق .. مبتعداً عن الخلاف المبالغ فيه
في الرأي والتطرف في وجهة النظر التي تعود في جزء منها على الاقل
الى التذوق الفردي ، فإنطلقت من إحترام الذات وأقصد إحترام التذوق
الشخصي على إعتبار أن كل إنسان هو عالم بحد ذاته مع مراعاة وتأكيد
المفاهيم العلمية والفنية والمنطقية متجنباً ما إستطعت سبر ماطرح
من آراء متباينة حول علمية المقام العراقي وحول إمكانية تدوينه …
فقد رأى البعض أن النقل الشفاهي المتواتر هو الضمان الحقيقي
لإستمرارية هذا الفن وإن لا ثمة تجديد مطلق .. بيْد أنهم إصطدموا
بعصر الالكترون الهائل وتساءلوا ماذا تعني إمكانية تدوين رنين صوت
قادم عن بعد سنوات ضوئية عدة …؟! ولسان حالهم يقول .. ماهو الليزر
وماهو الانترنيت وما دخله بالموسيقى ؟ ولسان حالهم هذا وقف عاجزاً
عن الاجابة في سبب إنحسار تذوق الناس للمقام العراقي .. في نهاية
القرن العشرين ..!؟
إن دراستي هذه تتضمن دعوة للجميع الى أن يعطوا للتطرف إجازة
وللتصلب موضعاً على الرَّف ، ويدعو من يريد أن يعمل وللقادر على
العطاء ، ومن له وجهة نظر فليطرحها ويحاول إثباتها … وليثبت أن
لاتعارضا بين عصر السرعة وإنسيابية المقام واسلوبه الادائي الملائم
… إنه تراثنا العتيد والحبيب ، إنه نحن … فدعونا نرفده بدم جديد
طهور ، بيد أننا لابد أن ننتبه الى مواكبة روح العصر بحيويته
وحركته وديناميكيته وديمومته مايجعل شباب الامة ينجذب اليه ويتقاطر
نحوه … ولايحلو لهم بديل مهما تزين بآلات مخترعة تعطي رنيناً
مصطنعاً …
وعلى أساس من الثقة ومن الايمان ، إستعرضت في هذه الدراسة والمحاور
التي تخص شؤون غناء وموسيقى المقام العراقي ، وجهات نظر مطروح
بعضها وأخريات بمثابة صدىً لها وأخريات لها صلة بالتنظير … كل ذلك
وارد حول الاداء المقامي في القرن العشرين من خلال المؤدين الذين
ظهروا في هذا القرن ، أي منذ حقبة بدء التسجيلات الصوتية وتطورها …
وتوخيت توضيح بعض الجوانب السلبية والايجابية على حد سواء وناقشت
بعض المستلزمات المطلوبة لأداء الفنان الناجح بشكل عام ، أي أنني
تحدثت بعض الشيء عن القضية الادائية وتحليلها ، بما يعتلج في داخلي
من هموم حول مايسمى بالقضية التحليلية للأداء المقامي والتي لم
يتطرق اليها كتاب حاول مؤلفه بصبر وروية أن يتحدث بتحليل علمي
موسيقي حول تماسك البناء اللحني وكذلك عن تطور العلاقات اللحنية
داخل المقام الواحد أو خلال وحدة العمل الفني بشكل عام … وكما
أسلفت ، فليس المهم التنظير لذاته وإلا أحسست للتو ، بالفقر المدقع
…
ومهما تكن خلفية المرء الموسيقية ومهما
تكن ميوله .. يجب عليه مراعاة القواعد الاساسية للاصول التقليدية
للمسارات اللحنية للمقام العراقي ( Form
) باعتبار أننا نغني تراثاً تاريخياً يقترب الى التقديس .. فهو
تراثنا نحن .. تاريخنا نحن .. سجل أحداث الآباء والأجداد ومانحن
إلا جسر صلب يجب أن نعمل ونوصل الأمانة بكل إخلاص وصدق مع إضافة
هويتنا وهوية عصرنا الذي نعيش فيه ، ليتنسى للباحث مستقبلاً أن
يستنبط أحكاماً وأحداثاً وتاريخاً من خلال بحثه في هذا التراث
الخالد .
في هذه المحاور الدراسية التي كتبتها في فترات زمنية مختلفة ، شيء
من الرؤية المستقبلية لما سيحدث ، ولا أدعي التنظير هنا ، ولكنني
ومن حقي أن اثبت رؤيتي الخاصة وتوقعاتي المستندة الى دراسة وبحث
وتجربة وخبرة … فصفه القرن الحادي والعشرين مثلاً صفة الالكتروني
كما قلت قبل قليل ، أرى أنها قد لاتتعدى هذه الصفة عقده الاول
وستغلب عليه صفات تطورية عديدة كلما توغل الزمن فيه … ويبقى السؤال
المهم والملح ..
ـ أستنهي التكنولوجيا خصوصية البيئات ..!؟ أم يبقى هاجس العودة
الغريزي لدى الانسان الى الماضي والى التراث ، ملحاً بالرغم من هذه
الظواهر العلمية وتطورها المذهل المستمر ..!!؟
**********
والآن أضع بين ايديكم
أعزائي القراء في الصفحات الاتية
المحاور التي تم البحث فيها حتى الآن ، وربما أستمر
فيها إذا كانت الظروف مواتية إن شاء الله ، آملا أن ينال هذا
المشروع اهتمامكم وتكتبوا
لي أية ملاحظة مع الشكر والتقدير مقدماً
وهذا هو المحور رقم
1 في
جزئه الاول
فكرة مختصرة عن الغناسيقى
العراقية في القرن العشرين
كان الاداء الغنائي والموسيقي المقبول في بغداد
والعراق عموما ، منذ اواخر القرن الماضي حتى
مطلع القرن العشرين .. كان ولايزال يعاني تاخرا وتخلفا في كثير من
مقوماته ومستلزماته الفنية الاساسية المطلوبة .. كان تقليديا بنسبة
كبيرة ،حيث كانت القلة من المؤدين اسماء لامعة مسيطرة على الساحة
... لها سلطة قوية على مسامع الناس ،والاغلبية الساحقة تابعون
للبعض ... فكان من هؤلاء البعض مثلا احمد الزيدان ورشيد القندرجي
والملا عثمان الموصلي ومحمد القبانجي وحضيري ابو عزيز وداخل حسن
وناصر حكيم وصديقة الملاية ...
الخ .كان الاداء في خيالاته العاطفية ،يدور معظمه في التعبير عن
هموم المجتمع الفردية والجماعية معا ومعاناته ،كوننا نعيش في مجتمع
نام له تاريخ عظيم ساد فيه العالم يوما ، مجتهدون الان في المضي
قدما لبناء مجتمع وحضارة جديدة نستعيد بها ماضينا التليد .
كان الاداء متطرفا في الالتزام بالاصول التراثية الغناسيقية
لاسيما في مضامين هذه الاصول العريقة في غناء المقام العراقي ..
نتيجة ضيق الافق الثقافي للمجتمع عموما ... ولذلك فقد كانت
التقاليد الادائية اضافية إلى تطرفها .. ثقيلة الوطاة ،تفرض نفسها
بقوة على السواد الاعظم من المؤدين .. وقد تميزت هذه الحقب ايضا
بالاتجاه الاخلاقي القوي في مضامين القصائد وكلام الاغاني سوى بعض
الشطحات من قبل بعض المؤدين الذين غلبو على امرهم عند تسجيل بعض
الاغنيات ذات المضامين الكلامية البذيئة ،يناظر ذلك وجود بعض
الشعراء من هذا المستوى الاخلاقي الواطيء . فان الكثرة من المؤدين
يتناولون المباديء الاخلاقية والفضيلة في اختيار قصائدهم ولايزال
الكثير من المؤدين ملتزما بهذا المنحى ... وكانت ايضا اكثر تعابير
ومعاني القصائد المغناة وكلمات الاغاني تعبر عن هموم وتجارب
المجتمع وعرض النصائح والحكم والشكوى والالم والانين والتحذيرمن
مفاجات الزمن .. الخ ،ونرى ذلك واضحا في محموعة من اغاني زكية جورج
وسليمة مراد وغيرهما ولاداع لنستعرض غيرها من الاغاني لان معظمها
يوحي او يتحدث عن هذه الهموم . من جانب اخر فقد سادت القصائد
+والتعابير الصوفية في اداء المقام العراقي نظرا للعلاقة الوثيقة
بين اداء المقامات العراقية واداء ات الشعائر الدينية في الاذكار
والتهاليل والمناقب
النبوية الشريفة التي يسببها حوفظعلى هذه الاداءات اللحنية
المتعاقبة على مدى التاريخ كما هو معروف .
يمكننا من ناحية اخرى ان نؤشر بعض الاسماء من المؤدين الذين تميزوا
عن الكثير من اقرانهم بالخروج من محيط
المحلية والتقليدية الصارمة ومن ومن ثم تلوين الاساليب الادائية
ببعض من المسحات التجديدية والابداعية ، ابرزهم
المؤدي والمطرب الكبير محمد القبانجي الذي يعد بحق رائد الطرق
الحديثة في تجديد وتطوير الاساليب الادائية للمقام العراقي .. وذلك
بالرغم من وجود بعض الابداعات من قبل المؤدين الذين سبقوه .. بيد
ان القبانجي كان كان ذا افق اوسع في هذا المجال ... ،وتميز عنهم
بانه اول من خرج في ابداعاته عن محيط المحلية اذا تاثر ببعض
اساليب الاداء الغنائي للبلدان المجاورة ... لكننا نستطيع ان نؤشر
ايضا وبقوة في ظل الظروف لتلك الحقبة ان الالتزام الاكثر
اهمية للمؤدين بل وحتى المستمعين كان ينصب في تطبيق الاصول
التقليدية للمسارات اللحنية لاداء المقامات العراقية , ولم تكن
الثقافة او مجالاتها كافية للاهتمام بالنوحي الاخرى المطلوبة في
تقويم اسس الاداء السليمة ...
ومن الاسماء الاخرى التي جددت في اساليبها الادائية , حسن خيوكة
الذي يمتاز باهداء اداء عرفه المقام العراقي ,
والذي ادى المقامات بطريقة متزنة سماتها الرخامة والحس العميق
والخيال العاطفي .. وكان المؤدي الشهير ناظم الغزالي هو الاخر من
الاسماء البارزة في التجديد والابداع الذي يعد بحق افضل مؤد عربي
وعراقي من حيث الاداء الفني في القرن العشرين ،فقد كان شديد
الاحساس بجمالية ادائه وتلويناته بين القوة والضعف والضغوط داخل
الجملة الادائية ,وبروح ادائية متحضرة امتلك فيها لب الجماهير بشتى
فئاتها واعمارها وبذلك فقد اقترب كثيرا من جعل المقام العراقي غناء
جماهيريا ...
هناك اسماء اخرى كثيرة مثل زهور حسين التي اضافت تعابير جديدة في
الاداء المقامي بالرغم من انها لم تؤد المقامات كاملة وكذلك
بالنسبة لسليمة مراد التي ساعدت شهرتها في تناول المقامات سماعا
لدى الجماهير , والمطرب الكبير يوسف عمر الذي تميز باسلوبه البيئي
المعبر عن بغدادية التعبير المقامي بكل دقة ...
كانت الثقافة الادائية في الغناء والموسيقى عموماً في العراق
والوطن العربي أواخر القرن الفائت ومطالع هذا القرن متواضعة وبسيطة
في مفاهيمها ، حيث كانت التقليدية كما قلنا هي السمة الغالبة
للعاملين في مجال الفن الموسيقي بشكل عام .. ولكن في خضم التطور
السريع للعلوم التكنولوجية ، بدأت روح جديدة تـُبعثُ لإظهار
الامكانيات الفنية للفنانين الموسيقيين والمغنين رافقتها المـُثل
المستنيرة للتعابير الادائية سواء في الأداء التراثي أو الأغاني
التي بدأت تـُكتب وتـُلحن وتـُؤدي من قبل أناس معلومين لتصل الى
مختلف فئات الشعب .. وبالرغم من أن هذه الفترة نراها بأنها بداية
المرحلة التجارية للفن الغناسيقي ، إلا أنها إمتازت بوجود تذوق
حيوي للأداء التراثي يدلل على أن هناك بقية من قوة عهد الرواد
الذين إمتازوا بالسمو الروحي في تعابيرهم الحسية والخيال العاطفي
الجياش ..
المحور رقم (1)
الجزء الثاني
لكن لابد من الاشارة ايضا الى ان هذه
الحقبة من بداية تطور اجهزة الحفظ والنشر والتسجيل .. تعد في
الوقت نفسه حقبة بداية تزعزع العلائق التي تربط الناس مباشرة
بالمأثور الشعبي الاصيل .. ومنذ ذلك الوقت بدأت حواجز الذوق في
سماع الموسيقى والغناء تزعزع ثوابت التقاليد الادائية التراثية ،
خضوعا لمتغيرات وتحولات العصر في تلحين وكتابة واداء الالحان
الجديدة المستقاة اصلا من التراث الغناسيقي .. مما جعل التذوق
التقليدي في سماع الغناء والموسيقى التراثية ينحسر ليتكون بعدئذ
نمط جديد من التذوق لدى جمهور شاعت تسميته بجمهور ( النخبة ) ..
وبالرغم من ان هذا الجمهور تشكل من كل فئات الشعب الاجتماعية ، إلا
أننا لا نطمح على الاطلاق ان يبقى الاداء المقامي اسير هذه النخبة
من المتذوقين في المجتمع ، فلابد اذن ان نعمل بكل جهد ومثابرة الى
جعل الاداء المقامي ملكاً لاذواق كل فئات الشعب الجمالية وليس الى
نخبة ذوقية منه ، وعليه فان هذا الوضع يفرض علينا اللحاق سريعا
بركب الحضارة وتطوراتها ومواكبة التغيرات والتحولات العظيمة التي
نعيشها في عصرنا الراهن والتعامل بشكل منسجم مع روح العصر لكي
نستطيع ان نصل بمستوى تعابير الاداء الغنائي التراثي الى محاكاة
المتلقي الحالي … وطبيعي ان هذا الموضوع يتطلب الكثير من
المستلزمات الثقافية والذوقية لتضييق الفجوة التي اصبحت عميقة
بمرور السنين بين التعابير الادائية التراثية وتعابير الاداء
المطلوبة في عصرنا الراهن ، في عنصرها الجمالي والذوقي ، وقد
استثني من كل المسيرة الادائية المقامية خلال هذا القرن المطرب
الحضاري ناظم الغزالي الذي تمتع بفن راقٍ في الاداء اوصل به المقام
الى اسماع كل العراقيين بل كل العرب في وطننا العربي فكان سفيرا
للغناء العراقي بحق ، حيث عبر عن مرحلته وما تلاها اصدق تعبير ..
ومن ناحية اخرى ، لم يكن الحكم على جودة الاعمال الغنائية
والموسيقية في تلك الحقبة الزمنية ، من زاوية تطور الناحية الفنية
وقيمها العلمية في اداء هذه الاعمال ، بل كانت النظرة سائدة
بالاهتمام الزائد بقواعد التقليدية الغناسيقية المحلية التي يؤدى
بها المقام العراقي ، حيث وصل الامر الى حد ان المؤدي الذي يطبق
الاصول التقليدية بشكل جيد يحسب في خانة المؤدين الجيدين حتى لو
وصل الامر الى تواضع موهبته الصوتية ، بل حتى لو لم يكن ثمة مستمع
اليه …!!!
وفي النصف الاول من القرن العشرين بدأت هذه النظرة التقويمية الى
الاعمال الفنية تضمحل شيئا فشيئا ، بسبب تطور المستوى الثقافي
والامكانيات المتاحة لهذا التطور حتى اصبحت النظرة الى جودة
الاعمال الفنية عموما والغناسيقية خصوصا تجنح نحو الاهتمام
بالنواحي الفنية والعلمية والذوقية للاعمال الفنية بوجه عام .. ذلك
ان التغيرات الاجتماعية والاقتصادية العميقة كان لها الاثر الفعال
في ذلك .. وكان المنعطف الكبير ، تأسيس معهد الفنون الجميلة في
ثلاثينيات هذا القرن ، حيث شمل عدة فنون اخرى مع فنون الموسيقى ،
اذ كان المسرح والتمثيل والسينما والرسم والخط .. الخ ولم يمض وقت
طويل حتى ظهر فنانون كبار ، بعضهم اكمل دراسته في الخارج ، وبدأ
المستوى الثقافي للفنون يتطور بفضل المعهد وتخريجه طلبة موهوبين ..
ولا شك ان هؤلاء هم في الحقيقة بداية النهضة الحديثة للثقافة
الاكاديمية للفن الغناسيقي والفنون الاخرى .. وسوف نرى ان هذا
التطور مع تقدم الزمن قد اظهر لنا فنانين كبارا استطاعوا
بامكانياتهم ومواهبهم وجهدهم تجاوز المحلية والانطلاق الى الآفاق
العالمية في الفن الغناسيقي وباقي الفنون الاخرى .. ولعل اعظم
انجاز للموسيقى العراقية ، عودة التاريخ من جديد في ظهور المدرسة
العراقية والعربية الحديثة في العزف المنفرد على آلة العود وكان
ذلك على يد العازف الشهير الشريف محي الدين حيدر , هذه المدرسة
العزفية التي سادت الوطن العربي , ولاتزال في ذروتها كاول ثمرة
كبيرة ومفيدة من ثمرات النهضة الموسيقية الحديثة في عراقنا العظيم
..
فكان معهد الفنون الجميلة الذي خرج الجيل الاول من رواد العزف على
الة العود , وهو الجيل الذي ارسى دعائم هذه المدرسة الجديدة في
اساليب عزفها وتعبيراتها والمستوى التكنيكي الذي وصل اليه العزف
على الة العود ... هذا الجيل المؤسس كان قد استوعب كل الخزين
التراثي لموسيقى البلد ,ومن ثم استقى الحانه وعزفه واسلوبه منه ,
وانطلق إلى الافاق الخارجية متاثرا بموسيقات الشعوب الاخرى
وتجاربها وثقافاتها المختلفة , معبرا عن روح العصر الذي يعيشه
متجاوزا بذلك المحلية الصارمة . ويمكننا ان نشير الى فضل بعض
الاسماء اللامعة في هذا المجال للجيل الاول , فكان الشريف محي
الدين حيدر الاب الروحي لتلاميذه ومنهم جميل بشير وشقيقه منير بشير
وسلمان شكر وغانم حداد
ثم تلاميذهم علي الامام ومعتز محمد صالح .. الخ وهكذا استمرت هذه
المدرسة تزخر بالتلاميذ الجيدين الذين اخذو مكانهم اللائق في مسيرة
العزف المنفرد على الة العود من امثال سالم عبد الكريم وصفوة محمد
علي وخالد محمد علي ونصير شمة واخرين تكثر وتطول بنا قائمة
اسمائهم .
ولاشك ان قضية البعث الثقافي الموسيقي هذه , في العراق من جديد ,
لايمكن ان نلخصها هنا بسهولة , ذلك لعمقها وتاثيرها التاريخي في
مسيرة الغناء والموسيقى في بلدنا الغالي وسائر البلدان العربية ...
بيد انه من المهم ان نتطرق إلى تاسيس معهد الفنون الجميلة عام 1936
ان معهد الفنون الجميلة كان هو المدرسة الاولى التي تمرن فيها
فنانون عديدون ، فقد تعلم فيها شباب من بغداد العاصمة ، وشباب من
المحافظات ، حتى وصل الامر بعد مرور الزمن الى فتح فروع اخرى
للمعهد في بعض المحافظات ، ثم انطلق اولئك الشباب يرفدون
موسيقانا بالعلم والمعرفة والانجازات والنتاجات الادائية الجمالية
، وظل المعهد كمركز علمي للموسيقى والفنون الاخرى وحيدا في بغداد ،
الى ان اسست مرافق علمية اخرى زخرت بالنشط .. منها الفرقة
السمفونية الوطنية العراقية التي تعتبر اكبر انفتاح واطلاع على
معالم الموسيقى العالمية وكان ذلك اواخر الاربعينيات ، ومع مرور
الزمن أُسست اكاديمية الفنون الجميلة عام 1961 ثم أُسست مدرسة
الموسيقى والباليه في العام 1969 التي تعتبر هي الاخرى انفتاحا
راقيا على موسيقى وباليه العالم .. وتبع ذلك تأسيس معهد الدراسات
النغمية العراقي عام 1970 الذي اخذ على عاتقه الاهتمام بتدريس
المقام العراقي بشكل علمي فني ، واخيرا فتح قسم الموسيقى في
اكاديمية الفنون الجميلة 1987 ، فضلا عن ان استمرار انتشار المعاهد
الاهلية لتعليم الموسيقى التي كانت موجودة قبل فترة تأسيس المعاهد
والمؤسسات الرسمية حيث كانت الرافد المباشر للثقافة الموسيقية
زمنذاك ..
سماع الغناء والموسيقى
على كل حال استطاع المقام العراقي ان
يعدد اشكاله , وان يكون حاضرا في كل مكان من حياتنا اليومية , سواء
كانت هذه المرونة نتيجة لمكانته الدائمة ام احد اسبابها . انها
تاتي للقاء السامع , وقد كان الاغنياء خلال العهود الماضية هم
وحدهم الذين يستطيعون سماع الغناء بالحالة التي يريدون وكان جمهور
المغنيين محدودا بسبب سوء الحالة الاقتصادية التي لاتتيح الابعض
مستلزمات المعيشة الضرورية , حينها برزت مسارح المقاهي الشعبية ,
لعدم توفر الضياء في اثناء الليل واستحالة السماع في بيوت مكتضة
بالسكان وبسبب قلة المسارح الرسمية التي يغني من خلالها المقام
العراقي , فقد كان معظم الحفلات المقامية تقام في وقت العصر لتنتهي
قبل غروب الشمس , من الذي كان يسمع اذن ؟ ومن كان يريد السماع ...
؟
الهوامش :
الاداء – هو القيام باعباء المسؤولية بهدف بناء علاقات متينة
للعناصر المكونة للمقام العراقي والنجاح فيه كعمل ادائي موحد (
performance
) .
التقليدية –
Traditionalism
بمفهومها العام الاقتصار العاطفي على التراث لاسيما المعتقدات .
والولاء لها وهو الاتجاه الذي يرى في الانماط القديمة خير مرشد في
تحديد السلوك في الحاضر والمستقبل ولذلك يستبعد التقليديون أي
تغيير اجتماعي ، وتظهر هذه النزعة كرد فعل لأي نزعة تجديدية لاعادة
تنظيم المواد التراثية على اسس رشيدة .
الحضارة ، المدنية – (
civilization
) : وهي مرحلة سامية من مراحل التطور الانساني السلوكي والتفكيري
وكل العلاقات الاجتماعية ومظاهر الرقي العلمي والفني والادبي التي
تنتقل من جيل الى اخر .
الاصول – المقصود بها القواعد التقليدية في تتابع المسارات اللحنية
للمقامات العراقية .
(5) مفردها التجربة – (
Experience
) التدخل في مجرى الظواهر للكشف عن فرض من الفروض او للتحقيق من
صحته وهي جزء من المنهج التجريبي ، ويقال تجريب او تجربة اختبار
منظم لظاهرة او اكثر وملاحظتها ملاحظة دقيقة ومنهجية للتوصل الى
نتيجة … ونقصد هنا بالتجارب وهي جمع تجربة ، من الناحية الاجتماعية
ما توصل اليه المجتمع من فهم وادراك ومعرفة سواء بالفطرة او
بالدراسة.
مثل اغنية الهجر
موعادة غريبة في العتب والشكوى والحنين وهي من سلم مقام اللامي
كلمات عبد الكريم العلاف وغنتها سليمة مراد :-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلى الصفحة |