الثقافة والمثقف وما بينهما
حسن عاتي الطائي ـ شاعر وكاتب عراقي

يقف المثقف في كل زمان ومكان في طليعة الذين يحاولون اعادة صنع الواقع وتشكيل ملامحه وجعله جديراً بالحياة والانتقال به مما هو فيه بالفعل الى ما يجب ان يكون عليه بالامل والمثقف بالطبع لايعمل بيديه لإحداث ذلك التغيير والانقلاب المنتظر . ان عمله لايتعدى حدود الفكر كما ان المثقفين بمجموعهم لا يشكلون حزباً او بقية او تيارا مثلما انهم ليسوا مجموعة متجانسة او متفقة في الرأي او التوجه او الاسلوب ، كما ان نشاطهم الابداعي ومجال عملهم الفكري والثقافي يختلف من مثقف الى آخر . ومن هنا فإنّ دور المثقف ليس دوراً فردياً بحتاً وانما دور اجتماعي عام .. ان يتحقق الانقلاب الشامل في الحياة لمصلحة الانسان باتجاه التقدم في شتى صوره واشكاله ومواضيعه ومضامينه .
وتجاوز منطقة العدم والظلام هو ما تسعى الثقافة الى انجازه والوصول اليه ، وهذا يستغرق وقتا طويلاً لايمكن
تحديده ولكنه ممكن التحقيق .
ان ذلك التغيير الهائل الذي سيعيد صناعة وصياغة الحياة لايمكن ان يتجسد على الارض اذا لم يحدث تغيراً في المفاهيم والسلوك لإنّ رُقي اي شعب يكمن في القيمة الفكرية والثقافية التي يحملها ويعمل بموجبها وعلى وفق مبادئها ذلك الشعب ، لكي تتحول الى حقيقة مادية وروحية وقيمية حقيقية وليس تصوراً .
 ان العمل الثقافي عمل شاق وطويل ، وليس له سقف زمني متطور لاتمام مهمته وميدانه الاساسي العقل البشري والنفس الانسانية ، وتأثير الثقافة لايتم بسهولة او بين يوم وليلة ولاتظهر نتائجه فجأة او مرة واحدة  ، انه في حالة نمو بطيئة ولكنها مستمرة ومؤكدة مثل النهر الذي يجري ببطء وتؤدي ولكنه يحيي كل ما يمر به وكذلك فإنّ أي ثقافة لايمكن ان تبقى بمعزل عن عوامل التعرية والتآكل والتبديل وليس باستطاعتها المحافظة على قيمها وتقاليدها دون ان يكون هناك تغير في تلك التقاليد والقيم التي انطلقت منها ونشأت في احضانها وترعرعت في تربتها ، كما إنّ الثقافة في اي مجتمع ليست حصيلة جهد فرد او مجموعة من الافراد وليست حاصلة نشاط وزارة ثقافة او مؤسسة ثقافية او اتحاد ادباء او جمعية ثقافية في دولة من الدول  ، انها جهد جماعي تراكمي يستغرق فترة زمنية طويلة في ظروف ومناخات مختلفة وقد تكون متناقضة .
إنّ قيمة الأمم الحقيقية تأتي من ثراء ميراثها الثقافي وخصوبة رصيدها الفكري وتجدد ونماء حيوتها الحضارية وقدرتها على استيعاب وتمثل ما يحدث من تطور وتغير على الصعيد العالمي في الافكار والعلوم والفنون وغيرها من مجالات الابداع والتأثير ،  وعلى هذا فإنّ المثقف الايجابي وهو المثقف الفاعل وليس المنفعل او السلبي مطالب في هذه المرحلة بإن يوجه امكاناته الابداعية والثقافية في الاتجاه الذي ينسجم مع مصالح وطنه عن طريق اداء مهمته ورسالته التي وضعتها الاقدار على كتفيه هذه الرسالة التي ستمكن قيم الحرية والجمال والعدالة والخير والبناء من الرسوخ في النفوس وجعلها اكثر اشراقا وايحاءً وتجذراً ليس في تربة الوطن فقط وانما في قلوب الناس ايضاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                             اعلى الصفحة 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006