يُـسمَع  وَ لا  يُـقرأ

داود الرحماني ـ شاعر عراقي  
drahmani2004@yahoo.com

مـمّـا لا شك فيه ان هنالك عوامل عديدة  تجعل من عوام القرّاء(لا الخاصّة منهم)يواجهون صعوبة في قراءة ما ينشر من شعـر العامية في الصحف والمجلات والإصدارات الأخرى . ولكي لا نسهب في الحديث سوف أفـقِّط تلك العوامل بما يأتي:-(1)التنضيد..(2)التحريك..(3)المونتاج والإخراج.

سأناقـش كلّ من تلك العوامل المؤثّرة في قراءةنصوص هذا الشعر وأبدي ماأراه ممكناً و مناسباً للتغلب على تلك المؤثرات .

(1) التـنضيد:-لا أعتقد بأن هنالك واحداً من كلعشرة من منضدي الإعلام المقروء له إلمام كافٍ بقراءة أو كتابة شعر العاميّة . فقد اعتادوا (ونحنمعهم ومنهم قد اعتـدنا )على القـراءة والكـتابة والإنشاد بفصيح اللغة العربية منذ  سِنِي دراستـنا الأوليـة..وبالرغم من ذلك نجدهم يخطأون ( وما أكثر وأخطر تلك الأخطاء ) في تـنضيد نصوص الفصيحة!!، فما بالك وهم ينضّدون نصوص شعر العاميّة !!!؟.. فـبالنسبة الى ما يحدث من أخطاءٍ في تـنضيد نصوص الفصيحة فـهنالك المصحِّح اللغوي المشرف على التصحيح  والمثـبَّـت فيملاك موظفي كل مؤسسة اعلامية حيث تقع على عاتقه مسؤولية مراجعة و تدقـيق  النص لغويّـا ًوسلامته لحين تسلمه من قبل المطبعة.أما بالنسبة الى النصوص التي يتم تنضيدهابالعامية فلا يوجد لها من مُراجِع أو مصحِّح سوى المشرف على مادّة (الأدب الشعبي) في الجريدة أو المجلـة وأغلبهم .. إذا لم أقُـل جميعهم من شعراء العامية المخضرمين ، مِـمّن لهم الباع الطويل في التعامل مع النص العامي.وعلى عاتقهم تقع مسؤولية فحص النصوص وتصحيحها قبل دفـعها الى المطبعـة.

ولا عذر لمن يدعي بأنه قد دفع بالنص(بعد تدقيقه) الى القسم الذي يليه.فالمشرف الحريص على نجاح صفحة ( الأدب الشعبي )عليه متابعة مادته حتى اللحظة التي تسبـق دخولها المطبعة...فالنصوص الفصيحة ممكن تصحيحها من قبل عدة أشخـاص ومن خلال جميع المراحل...أما النصوص العامية فليس لها في الصحيفة سوى ذلك (المشرف)عـلى تلك الصفحة .. وأعتـرف انها مهمّـة صعبـة.

(2) الـتحريـك :- ان كثرة ممارستنا في قراءة وكتابة الفصيحة  ومنـذ الطفولة ولدت لدينا سليقة تكفي لأن نقرأ نصوصها دون الحاجة الى المبالغة في تحريكها. فيكفـينا التحريك لبعضٍ من الكلمات التي لابد من تحريكها لتجنيب القارئ الإعتـيادي من الوقوع في اخطاءٍ تبعد المعنى ( أو تعكـسه).

فما بالك بشعر العامية الذي لم تعتد الغالبية الغالبة من القرّاء على القراءة والكتابة عليه..من هنا يأتي وجوب تحريك نصوص هذا الشعر ومن دون ذلك قد يلتبس القارئ أو يتوه في ادراك المعنى و يفقده الإستئناس بحلاوته و بموسيقاه أي( الــوزن ).

هنالك ثلاثة فئات فقط يمكن لها قراءة  شعرالعامية المطبوع (بلا عناء) محَرَّكـاً كان  أم غير محرّك.

(أ) شعراء العاميّة.

(ﺏ) من لهم اهتمام وباع طويل في حفظ وترديد هذا الشعراللذيذ.

(ج) العروضيون الملمّون في الأوزان (لاسيما الشعـبية منها).

ولكــن ! كم هي نسبة هؤلاء وكم هو عددهـم بين القـرّاء ، المريـدون والمتـشوّقـون  لقراءة المطبوع والمنشور من تلك النصوص ؟

أم  انـنا ! نطبع وننشر لِـتلك الفئات الثلاثة فقط ! ونـترك الأغلبية تتخبط في الإستنباط والتوَهان..ثم الملل؟!
وإليك هذا المثـال المبسّط لأهمية تثبيت الحركة على كلمات نصوص العاميّة (الشعر الشعبي) :-
لو تقدمَ اليك أحدهم بورقة مكتوب عليها  كـلمة ( يـتـكـلم ) غير محـرَّكـة و طلب منك أن تقرأها له بالفصيحة فسوف تقرأها  له بلا عناء ( يَـتَـكَـلَّـمْ ) وتحركها له بالسليقة كونـها لا تقبل القراءة بشكلٍ أو بحركاتٍ أخرى. وتفعيلتـها هي ( مُـتَـفـاعِـلْ ). ولكن إذاصادفتك (وأنت تقرأ قصيدة نظمت بالعاميّة)ما يقابل كلمة(يَـتَكَلّمْ) بالعامية وهي كلمة ( يـحـﭽـي ) غير محرّكـة (ولم تكن انت من تلك الفئات الثلاث) فسوف تحتار لأنها تقبل القراءة بعدّة أشكال من التحريك..هـيَ (يِـحْـﭽـي..فَعْـلُنْ) أو (يِـحَـﭽّـي...فَعولُنْ) أو(يِـحَـﭽـي.. فَـعَـلُنْ). فإذا حدث واخترتَ احداها ولم تكن هي المقصودة في النص فستقع في أحد أمرين .. امّـا الابتعاد عن المعنى  و أمّـا ان تقرأ هذا الجزء من النص وهو مكسور الوزن ( أو الوقوع في كلاهما) وفي كلا الحالتين نجد أن أغلب القرّاء يحمّـلون الشاعر وشاعريته تبعات ما وقعوا فيه من حيرة و صعوبة وأخطاء في القراءة .. لعدم درايتهم بكواليس النشر.ومن هنا تبرز أهمية وجوب تحريك  شعر العامية

(3) المونـتاج و الإخـراج :- لا يمكن ان نـنكر ان كاتب النص هو العامل الأساس في جذب القارئ فلكل قارئ  شاعره او كاتبه المفضل(وشهرة الكاتب او الشاعر لها دور مهم أيضاً) ويأتي بعد ذلك(عنوان النص)...ثم موضع النص وكيفية اخراجه وجعله في موقع مناسب له في الصفحة ومن هنا تظهر أهميّـة المونتاج ومهارة المونـتير وقوة ملاحظته وقابليته على التصور المسبق لشكل الصفحة..فكم من نصٍ شعريٍ فقدَ بريقه و انسيابيته بسبب رداءة المونتاج والإخراج .

ان ترتيب الأشطر والمقاطع  على وفق ما وضعها الشاعر نفسه وعدم التلاعب في ترتيبها له أهمية في استـساغة واستيعاب القارئ لـلـنص. ولا ننسى أيضاً أهمية اختيار الحرف المناسب لكلنص مطبوع.. فالحرف الذي تنضّد عليه القصة أو المقالة ليس من الضروري ملائمته للنص الشعري أو لغيره.فلكل نص حرفه المناسب له نوعاُ وحجماً.

كذلك نجد ان تلك المعاضل التي تطرقت لها أعلاه نجدها أيضاًعلى مواقع الأنترنيت التي تنشر شعر العامية .. لا بل (هي الأتعس) .. فاغلب المواقع لا تهضم!.. بل لا تُظهِر الحرفين الوحيدين اللذين يميِّزان ( شعر العامية عن شعر الفصيحة) وهما (الـﮕـاف بدل القاف و الـﭽـاء بدل الكاف) ناهيك عن الحركات...و بالأخص حركة السكون

وهمزة الوصل اللتين لا يمكن الاستغـناء عنهما في هذا الشعر  كونهما ( سِـمته ) الغالبة عليه.

وأخيراً أقـول :-  يا حبذا لو يلـتـفت أصحاب المؤسسات الإعلامية (بأنواعها) الى أهميّـة هذا الشعر ومدى تأثيره في الناس ... و يرفعوا من سقف التخصـيصات المالية لـتلك الصفحـات.

أمّا آخراً..فأ قول:- أن شعر العامية لازال  بخير طـالما نجده و بكـثافةٍ نُـحسد عليها من خلال المسموع والمرئي منه.ولازال فرسانه لهم السبق في اجتذاب المستمع والمشاهد...أما القـــارِئ فأقـول له :- صبـراً...فأملنا كبير في تـشذيب وترتيب.وتهذيب.وتشبيب.وتحبيب المقـروء منه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                             اعلى الصفحة 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006