الكتاب ... وحقيقة الاشياء

غادة داود بطي – صحفية عراقية  ـ الاردن

كنت أهم ُّبترتيب بعض الكتب والمجلات القديمة في مكتبة البيت ، والتي غالباً ماأرجع اليها ، بين الفينة والاخرى ، ليس لغرض ازالة الغبار عنها فقط ، بل لأطلع عليها مجدداً ، واعيد قراءتها مرة اخرى كلما سنحت لي الفرصة بذلك .

ولأنني أومن بأن قراء ة الكتاب نفسه مرتين او ثلاث ، وربما اكثر ، انما يعود عليك بفائدة اكبر واشمل ، قد تطلعك على معلومات لم تألفها من قبل ، وقد تكتشف اشياء ً واموراً كانت قد غابت عن ذهنك ، او لم تعرها اهتماماً كافياً حينما قرأت  الكتاب للمرة الاولى ... لذا تناولت احد الكتب ، وقد كنت قد قرأته منذ زمن بعيد ، واخذت اتصفح وريقاته بتمعن للمرة الثانية ، فاذا بي اكتشف انّ الذي اقرأه الان وادركه ، ليس هو مااطلعت عليه سابقاً ، فقد بدت العبارات وكأنها غريبة كلياً ، مع العلم ان هذا الكتاب كنت اعدّه من احب الكتب الى نفسي . وقد تفأجات كثيراً لهذا التحول . واعترف بانني حالما انتهيت من قراءتي له هذه المرة ، ايقنت بأنني لو قرأته مرة ثالثة ، لربما ساشطب على بعض عباراته  التي احسست بأنها تنافي قناعاتي هذا اليوم !
 وعلى اية حال ، اظن ان هذه الحالة صحية على وفق مايقوله علماء النفس والاجتماع . واعتقد ايضاً ان هذا له اسباب عدة ، منها انك كلما تقدمت في السن – لااعني طبعاً ان تصبح عجوزاً بل اعني بذلك ، الاقتراب من النضج العقلي ـ قد تشعر بإنك لست انت الذي كنته قبل بضعة اشهر او سنة مثلاً وان اهتماماتك قد تبدلت ، وافكارك هي الاخرى قد تغيرت ، وهذا طبعاً يرجع الى الظروف التي تعيشها الان ومدى تأثرك بها سواء اكانت اجتماعية أم اقتصادية أم صحية .
 أما اذا سلمت بأن المعلومات والآراء التي قرأتها سابقاً ، صائبة وان كانت مغلوطة وإنّ الاراء والقناعات التي تؤمن بها ، والتي تتعارض  معها صائبة ايضاً ، لتوجب عليك ان تقسم دماغك الى حجرات ، كل واحدة لها خصوصيتها واستقلالها عن الاخرى ... وحين ذاك ستشعر بأنك انسان مزدوج التفكير والسلوك لامحالة كما هي الحال عند البعض .!!
ليس عيباً على الانسان أن يتراجع عن رأي أو موقف كان قد إلتزمه في يوم ماظنه انه الصواب ، ثم اتخذ غيره الان بعد ان اصبحت قدرته على الادراك والاستيعاب اكبر ، ذلك ان الزاوية التي ينظر من خلالها اليوم الى الامور ، صارت اكثر انفراجاً ووسعاً مما كانت عليه بالأمس ، ومن ثم فإنّ الامور اصبحت هي الاخرى اوضح واعمق معنىً ، لاسيما للاشخاص الذين يمتلكون مرونة في تفكيرهم وانبساطاً في تقبلهم كل جديد ، بعيداً عن أية صورة من صور التعصب والتزمت التي قد ترتسم في رؤوس غيرهم ذوي الادمغة المتحجرة !

 فلربّ معلومة قرأناها سابقاً وحسبناها يقيناً  لايقبل الشك ، هي الآن في عداد الخطأ ، وربما عدٌها البعض من قبيل الخزعبلات ، ووصفها البعض الآخر بإنها محض خرافات !
ولاغرو اذا قلنا بأننا نتغير بمرور الايام والاعوام ، وتتغير معنا قناعاتنا وآراؤنا ، وفقاً لما نمرٌ به من تجارب واحداث ، وربما صراعات ،لااقصد طبعاً الصراع بالمعنى الحرفي للكلمة بل الصراعات النفسية الداخلية للانسان  والتي يمرٌ بها من جراء اخفاقات قد تحدث له او حتى جراء نجاحات قد يحققها .
هذا التغيير يحول فهمنا للحياة وللأشياء من مجرد احساس الى واقع حقيقي نعيشه ونتلمس من خلاله معنىً جديداً للحياة ،  وهذا مااظنه هو الصواب للوصول الى حقيقة الاشياء ...

آخر الكلام

ـــــــــــ

ان الخزعبلات سوف تصادفنا ، وسوف نجدها منتشرة في عدد من المجلدات الضخمة القيمٌة ، بل وفي قلب العلم ذاته سوف نجدها..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                  اعلى الصفحة                                                        

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006