الخيال قارئاً

زعيم نصارـ شاعر عراقي- بغداد

 لفظة القراءة في تراثنا تحمل في مادتها وجذرها معاني متضمنة كثيرة، بل متضادة، فهي تعني قبل النطق بالمكتوب والقاء النظر عليه ومطالعته، التبليغ والارسال،  وأول آية كريمة نزلت من القرآن " اقرأ باسم ربك" تأتي لتدل على معنى التبليغ، بلّغ وأنشر، وليست بالمعنى المتصل بالقاء النظر على الكتابة.
وعلى
هذا الفهم يتم معرفة عمق مقولة سؤال واستفهام الرسول الأكرم " ما أنا بقارئ" التي لم تأت بمعنى النفي والانكار، بل أتت كسؤال واستفهام، مالمطلوب مني قراءته؟ ماذا أنا بقارئ؟ مالمطلوب مني تبليغه؟ فيكون الجواب منسجما ودقيقا: أقرأ أي بلّغ وانشر وأدعُ بإسم ربك. ومنه ايضاً " اذا رأيت فلاناً فأقرئه السلام اي بلّغه السلام.
والمعنى الثالث لكلمة القراءة في تراثنا اللغوي يأتي ليدل على الجمع وضم الأشياء بعضها الى بعض، قرأ الشيء جمعه وضم بعضه الى بعض.
وهناك معانٍ للقراءة تدل
على الحمل والولادة في الوقت نفسه. ولكن الذي يعنيني هنا هو المعنى الثالث، قراءة الاشياء وجمعها فأنا بوصفي شاعراً قبل كل شيء مغرم بجمع التفاصيل والبحث في طيـّاتها، قراءة الواقع وفرزه عن الخيال، فأراني أطرح الأسئلة على نفسي،  أحياتي تلك من الواقع ام من الخيال؟
احيانا أجد هذا القتل والعنف وطوفان الدم خيالاً يشبه
الواقع على نحو خطير، وما عليّ الا ان أضع حداً لمسرحية معدة ومخطط لها، بمخرجها ومؤلفها وممثليها، أقصد أضع حداً لحياتي التي لا تتناسب ولا تنسجم مع
مسرح كهذا ، قذر
منحط ، فيه من النفاق والكذب والدجل والثعلبيات التي تحفر أوجاراً للتخريب والفساد والقتل وهدم الجمال والحياة ما يفوق كل مخيلة دانتي وجحيمه وكوميدياه ومأساته. هل تضع القراءة حداً للحياة؟
ربما تشابه الخيال مع الواقع يعود بالقارئ الى الحقيقة،
والحقيقة تعود به الى الموت، بهذا يصبح القارئ سفيراً للموت، قادماًُ منه وعائداً اليه، غير مسؤول عنه، لقد تم إعداد مسرحية غيبية لا حول لنا فيها ولاقوة لنا عليها ولا يمكن ان نتدخل ونغيّر شيئا، ونبقى نتهامس سراً كيف لنا ان نضع حداً لهذه القراءة التي تفخّخ الانسان، وتشدّ على بطنه حزاماً ناسفاً لتدمير حياتنا؟ ومرة أخرى أطرح على نفسي السؤال نفسه معكوساً، هل الواقع يشبه الخيال، وكل هذه الحقائق التي يقاتلون من إجلها أكاذيب، وان المرأة التي لم أرها هي أقبح ما في الكون، ان جمع الوقائع والتفاصيل وضمها الى بعضها واقتناص سوء الفهم وتفكيكه، جعل مني هائماً شارداً الى الخيال من الخيال مقترباً من الاشياء وهي تتشكل وتتضح بين عينيّ، أصبح عندي كل شيء مشكوك فيه، والخيال الذي يشابه الخيال عاد بي الى القراءة، بعد ان كنت قادماً منها، أدور فيها وعليها من دون أن أطمئن الى امتلاء اعماقها، صرت كنهر ينساب في بطون الكتب وطيـّاتها، متخفياً أدخلها في عزلاتي وظهوري، استعرت من معلمي رولان بارت ثلاثة طرق لقراءة الكتب بعد قراءة الاشياء والواقع. منها:
انني أتصفح كتبا
كثيرة حديثة الاصدار، ألقي نظرتي الشخصية عليها ، أتواصل معها للحظات، أو أقرأ عنها
خبراً. كتب تهدى الي، او يكلمني عنها الأصدقاء، أتعامل معها مثل معلمي بارت حين
يكلمني عن جيل رومان حيث كان يقوم بجهد ضائع بخصوص رؤية العميان خارج النظر.
 خيالي
ينشط مع هذه الكتب ، يشطح ويجنح ويؤسس ما لم يكن موجودا فيها وخاصة تلك الكتب التي اسمع عنها ولم أرها، اتخيلها بشكل لا يمكن ان تكون عليه.
الطريقة الثانية للقراءة
التي تعلمتها هي حينما يكون عندي عمل أقوم به، كتاب أعمل على تأليفه كما حصل معي في كتابي " جمعية الشعراء العراقيين الموتى" الذي قاربت الانتهاء من انجازه، او كتابي "الشعر والتناسخ" الذي قرأت لأجل اتمامه كتباً كثيرة من الغلاف الى الغلاف لجمع الجذاذات وتدوين الملاحظات، هذه القراءة يتطلبها الكتاب الذي أهتم بكتابته، اما الطريقة الثالثة التي استسلم لها تماماً هي قراءة الكتب القديمة الكتب الكلاسيكية، دائما ما تجد قرب وسادتي كتابا كلاسيكيا، أقضي معه ساعتين أو ساعة واحدة قبل ان أنام فهذه الايام أتوسد الاعمال الصوفية للنفري بمراجعة وتقديم الزميل سعيد الغانمي، بعد ان كنت العام الماضي أتوسد اعمال السهروردي شيخ الاشراق المقتول، الذي طارت معه مخيلتي الى آفاق جديدة في الرؤية والكتابة.

 

                                                           

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006