|
الاقتصاد
الثقافي
علي حسن
الفواز ـ كاتب عراقي
هل يمكن أن
ندعي أن هناك اقتصادا ً افتراضيا للثقافة، وأنها تملك القدرة
على تأمين برامج للتخطيط والتنسيق والتسويق والإسناد وقياس
الجدوى؟ وهل يمكن أن نقترح وجود منظومات ستراتجية تعمل بتواصل
تحت إشراف عدد من مخططي الاقتصاد الثقافي لكي يضعوا للثقافة
ميزانيات وبرامج للإنتاج والتسويق والعلاقات العامة، فضلاً عن
ما يرسمون لها من خطط ستراتيجية خمسية وعشرية؟ وهل ثمة من يفكر
بشكل جاد لتأمين فرص مناسبة وحقيقية لمايمكن أن نسميه بـ
(الاستثمار الاقتصادي) الذي يدعو أصحاب رؤوس الأموال للاستثمار
في المجالات الثقافية المتعددة وتحرير السوق الثقافي من
الهيمنة التأريخية للسلطة والآيديولوجيا ومصادر القوة
التقليدية في مجتمعنا التي دأبت على فرض موجهاتها على البيئة
الثقافية في الشارع والمدرسة والجامعة والشارع وغيرها ؟ هذه
الأسئلة لاتبدو غريبة في المجتمعات التي أدركت أن الثقافة في
سياقها كفعاليات اجتماعية ومعرفية وتعليمية تشبه الكثير من
سمات مايروّج في خطابات الاقتصاد والامن والبيئة والبنية
الاجتماعية والسياسية، وأن حاجتها للتراكم والتنمية والتواصل
تشبه الحاجة الى الملفات الأخرى من استحقاقات وامتيازات،
مادامت العملية كلها تدخل في إطار صناعة وتسويق بضاعة الى
جمهور مستهدف أولاً، وجمهور تدخل الثقافة عنصراً مهماً في
التغييرالإيجابي لعاداته وأنماط معيشته وإنتاجه، والتي يدخل
فيها الوعي والمزاج والذوق العام مصادر مهمة في إنتاجها
والترويج لها، والتي تهدف بالضرورة الى تأمين أشكال مؤثرة من
الوفرة الثقافية التي تدخل في تحسين الأداء الاجتماعي وفي
تخليق الكثير من الفعاليات الاجتماعية التي يمكن أن تقبل دون
حساسية او اكراهات الحوار مع الآخرين والشراكة معهم في إنتاج
وتبادل المنافع الثقافية واللغوية والجمالية .مفهوم الاقتصاد
الثقافي أصبح مفهوماً رائجاً في الكثير من الادبيات الإنسانية،
واقترن بسياقات العمل التي اتاحت مجالا ً لإتساع الدور المدني
والحضاري للثقافة، وتحررها من عقدة المهيمنات الخارجية، وربما
دخل في سياق تخصيصات المنظمات الدولية وفي برامجها المدعومة من
البنوك والمؤسسات المجتمعية الأخرى، فضلاً عن إن الحديث عنها
لم يعد مثيراً للاستغراب والعجب من منظور الحساسيات الحضارية
المعاصرة، إذ تعد هذه الحساسيات الفاعلية الثقافية جزءًا من
فاعليات بناء الدولة، وبناء المجتمع، وتشكيل مصادر الوعي
الجمعي والفردي، وإيجاد توصيفات جديدة للقوة تقوم على أساس
تعميق البنيات الحضارية في تمظهراتها المعرفية والمادية والبنى
المؤسساتية ، وفي سياق انتظام الخدمات العامة الصحية والبيئية
والبلدية والتعليمية بما فيها الخدمات الثقافية بمستوياتها
الواسعة . صناعة الثقافة لم تعد صناعة مهملة ، او كاسدة
بالمعنى التجاري التقليدي الذي أسهم في عزل الثقافة عن رأس
المال الخائف أصلاً ، بل إن هذه الصناعة باتت تقترن بوجود
دراسات علمية، ومراكز بحوث تخطط وترسم وتسوّق، لتجعل هذه
الصناعة جزءًا من اقتصاد حيوي يسهم في تعظيم فعاليات الثقافة
، إذ تقترن فعاليات هذه الثقافة بوجود منتجين ومستهلكين، مع
وجود بضاعة وسوق وإعلان ثقافي وعلاقات عامة ، تلك التي تدخل
فيها خدمات الكتاب والطبع والمعارض ، مثلما دخلت في صناعة
السينما وإنتاجها وتسويقها والمشاركة في المهرجانات العربية
والدولية ، وكذلك هي الفنون والآداب الأخرى كالمسرح والموسيقى
والتشكيل وغيرها. مشاريع تنمية الاقتصاد الثقافي تحتاج
بالضرورة الى برامج وتخطيط واسعين ، إذ لم يعد تبني الإنتاج
الثقافي بمعناه الواسع مناطاً بجهود محدودة وهامشية كالتي كنا
نتلمس وقائعها ونتائجها ونحن نرى الكثير من مظاهر الفاعلية
الثقافية لاتخرج عن كونها انعكاسا ً للعديد من الفاعليات
السياسية او نوعاً من الدعاية لخطابها الآيديولوجي، او بعض
التوجهات الدينية بمعناها المحدود والتي كثيراً ما تضع الخطاب
الثقافي أمام مظاهر مشبوهة للمرجعيات المالية الداعمة لمثل هذه
البرامج الثقافية التي تنطلق في عملها من هذه المرجعيات هي
الأقرب الى مايمكن تسميته بـ (مخصصات دعاية) الى هذه الجهة او
تلك. إن الذين تعودوا على النظر الى الثقافة بأنها لعبة للفرجة
فقط ، وإباحة المتع المجانية، لم يعد لهم وجود في ظل الحاجة
الى دور خطير للثقافة في الحراك الاجتماعي والسياسي، ومواجهة
تحديات حضارية ومعلوماتية أكثر خطورة، لأن الحاجة الى شروط
جديدة ومغايرة للصناعة الثقافية ، يعني الحاجة الى بناء ثقافي
رصين وحقيقي يلامس الحاجات الأساسية للبناء الحضاري للمجتمع
الجديد ، إذ إن التشوقات القديمة والساذجة التي اقترنت بتزجية
الوقت، والترفية عن السلطان السياسي وأصحاب صناديق المال
والقوة الغاشمة ، والتي تدخل في حسابات الدعاية والإعلان لم
تعد مبررة في الواقع الجديد، و لاحتى تكرار أسباب إنتاج
خطابها، رغم وجود أنماط (من الأشكال الثقافية) ذات النزعة
الدعائية والإعلانية، او ثقافات الأحزاب والآيديولوجيات وانماط
الثقافات الشعبية بإتجاهاتها المعروفة، لأن الثقافة بمعناها
الفاعل المحرك والمنظم لفاعليات البناء الاجتماعي والتربوي
والتعليمي تحتاج كمعطى معاصر ذي تأثير خطير ونافذ الى مخططين
ستراتيجيين يدركون الحاجة الى الجدّة والمسؤولية في التعاطي مع
الأشكال والأطر الأكثر تطوراً ومغايرة للإنتاج الثقافي، تلك
التي تدخل في مجالات التنمية الثقافية وفي صناعة رأي عام عبر
تنمية البناء المؤسساتي الإعلامي، وعبر تشريع القوانين التي
تسند وتكفل الحريات العامة بما فيها حرية الإعلام والرأي
والحقوق وتشكيل منظمات المجتمع المدني، فضلاً عن الحاجة الى
تبديات جديدة للفعالية الثقافية، من خلال تأمين ثقافات ذات
أدوار عملياتية تقترن بتطوير النظام الاجتماعي والسياسي ،
وأنسنة توجهاته العامة التي تعزز قيم الوعي والحرية
والديمقراطية والحقوق والسلم الأهلي والعدالة وغيرها من الأسس
البنائية التي يحتاجها الإنسان في التعرّف الإيجابي للحضارة
والحداثة والعولمة، لأن إدراك القيم الجمالية والمعرفية
والإنسانية للثقافة يعني إدراك الوجه العميق للحضارة، وإدراك
صورتها المجسدة في العمران والبناء والسلوك والعلاقات والخدمات
والبناء الدولتي الحاضن لمجتمع تتفاعل مكوناته وتتكامل بعضها
مع البعض الآخر بنوع من العلاقة التي تقوم على فكرة المواطنة
والحقوق والمساواة والعدالة، وهذه في جوهرها قيم ثقافية وتحتاج
بالضرورة الى أشكال عميقة من التنمية الثقافية التي تعزز جهود
تعلمها وتوصيفها وتحويلها من قيم ثقافية عامة الى قيم مكرسة في
حياة الناس وممارساتهم ووعيهم الحقوقي والوطني . وطبعا ً فإن
أي جهد تنموي يحتاج الى تخطيط واسع والى ميزانيات والى آليات
عمل تسندها تشريعات الدولة التي ينبغي لها أن تخصص في موازنتها
العامة ما يناسبها، ناهيك عن التشريعات القانونية التي تخص
تطوير الجهد الاستثماري في مجال توسيع حلقات البناء الثقافي
والاستفادة من الجهد الدولي ومنظماته الإنسانية وبرامجها
الواسعة في تعضيد مسار هذا الإتجاه.هذا الاقتصاد يحتاج الى
استعدادات واسعة والى خبرات مدربة وفاعلة لكي يدخل في إطار
صناعة الأسس العملياتية للتنمية، أي تنمية البيئة الاقتصادية
العامة، فضلا ًعن تنمية العوامل المساعدة لتعزيز الوعي
الإنساني ورفده بكل إمكانات التطور والتواصل مع العالم .
وأحسب أن خصوصية هذا الاقتصاد تحتاج بالضرورة الى مسؤولية
استثنائية من أصحاب القرار السياسي والتشريعي ، لأن تأريخ
الاقتصادات الوطنية ارتبط بشكل تأريخي بانماط السياسات، وهذا
مايدعو الى ضرورة تأمين الفرص التشجيعية لكي تتضح ملامح هذا
الاقتصاد ويقوى عوده. ومن هنا نجد أهمية رسم سياسات فاعلة
للثقافة ، وضرورة اقترانها بسياسات إجرائية يدخل فيها الجانب
المادي بشكل فعال ومؤثر من خلال تأمين مصادر إنعاشها الأولي من
خلال دعم الموزانة الوطنية، رغم إن مثل هذه الموازنات الوطنية
تبقى مرهونة بظروف وتعقديات السياسة العامة، وبطبيعة المدخلات
الاقتصادية وعوامل التضخم والقدرة المالية، أي إنها ترتبط
دائماً بالأزمات كثيراً، والتي تصنع لها دائماً الكثير من
الضحايا الذين تأكل من جرف استحقاقاتهم على أساس الأولويات
والحاجات. وأزاء هذا المعطى يثار السؤال الآتي : من هو
المسؤول عن رسم هذه السياسات وتقدير تلك الحاجات؟ وهل ثمة وجهة
نظر حقيقية يمكن تبنيها للفعاليات الثقافية في بناء مشروع
الدولة الجديدة ؟ هذه الأسئلة الثانوية هي قياس لمدى قدرة
القوى الجديدة في الدولة الوطنية على تجاوز عقدة الأزمة التي
تعانيها المؤسسات الثقافية، وعقدة تهميش دور المثقف في مواجهة
أزمات معقدة والتي يغيب عنها الدور(الثقافي) دائماً، لأن تاريخ
هذه الأزمات هو تأريخ صراعي، وتأريخ يرتبط بصراعات اثنية
وايديولوجية وطائفية، لم تجترح لها الدولة الوطنية منذ تأسيسها
معالجات ثقافية وتعليمية، باستثناء المعالجات الامنية، والتي
أسهمت طوال عقود في تعظيم قوة الخطاب الامني، وقوة السلطة التي
تحتكر الامن والثروة. وأحسب أن غياب المعالجة الثقافية أي
إعطاء دور للخطاب الثقافي أسهم في جانب آخر بعزل الثقافة داخل
غيتوات الآيديولوجيات او ضمن السرديات الثانوية للطوائف
والقبائل، وحتى الثقافة الجامعية ظلت هي الأخرى خاضعة الى
قياسات الدرس المدرسي التقليدي بمناهجه التعليمية المحدودة
التأثير وفعالياته الثقافية التقليدية والرافضة لفكرة التجديد
والمغايرة . ولعل تأريخ هذا العزل الثقافي أسهم بتهميش أي دور
حقيقي للصناعة الثقافية بدءًا من صناعة وتسويق الكتاب والى
صناعة وتسويق الدراما والسينما وانتهاءً بتهميش الفعاليات
الثقافية ضمن برامج الدعم التي تقوم بها بعض المنظمات الدولية
التي تخصص سنوياً ملايين الدولارات لدعم برامج التربية والصحة
والمرأة والطفولة وغيرها . التهميش الثقافي بمستوياته
التعليمية والجمالية والنفسية والمعرفية كان سبباً مهماً في
التأثير على الواقع الاجتماعي، وعلى إتساع ظاهرة الجهل المركب،
والذي تحول فيما بعد الى مصدر خطير في إشاعة سلوكيات العنف
والإرهاب والتكفير، لأن هذه السلوكيات وجدت في بيئة الجهل
والتخلف ونمطية الحياة التقليدية مجالاً واسعا ً لاستشراء سموم
أفكارها وتوجهاتها وعصاباتها دونما مواجهة حقيقية تضع الوعي في
مقدمة أسبابها وأدواتها.. ولو أجرينا أية دراسة علمية لاستقراء
المظاهر الاجتماعية القهرية داخل الحياة العراقية لوجدنا أن
أكثر مرجعيات هذا القهر الاجتماعي تعود الى أسباب ثقافية، عبر
الإشاعة التقليدية والانفعالية لثقافات الأدلجة المشوهة ،
وثقافات الانفعال بالانتماء للجماعات وحساسياتها المفرطة ،
وعبر استمراء إباحة ثقافة العنف المحمول على فراغات ثقافية
معرفية وجمالية ونفسية، باعتباره سلوكاً تعويضياً وإشباعياً ..
فضلا ًعن تكريس هذه الفراغات في الحياة والتربية وفي التعليم
بنوع من الثقافات البسيطة غير القادرة على مواجهة أخطار الواقع
وتحدياته ، وهذا يعني إتاحة المجال لإيجاد الفرص والاستعدادات
النفسية للتماهي والإنجرار الى أشكال من الهينمات العدوانية
التي تسحق أي بادرة لتنوير الوعي والذات وتقبل الرسالة
الإيجابية المحملة بخطاب السلم الاهلي والحوار والشراكة
والتسامح، وبالتالي فإن استشراء مثل ذلك العزل الثقافي يعني
تهيئة الأجواء لخلق أجيال مشوهة في انتماءاتها وفي وطنيتها وفي
وعيها لمسؤولياتها الأخلاقية والجمالية وتوازن سلوكها النفسي
والواقعي .. إن كل هذه الأزمات المقرونة بغياب المسؤولية
الثقافية ، يعطينا الأسباب الكافية للحديث عن الحاجة الى تنمية
ثقافية فاعلة تنهض بها القوى الجديدة ، والتي تحتاج بالضرورة
الى بيئات ومجالات واسعة، ومنها البيئة الاقتصادية، أي بيئة
السوق، فضلا ًعن ضرورة تجاوز عقدة تهميش الدور الثقافي من قبل
المشرّع القانوني، والقائمين على تنظيم الموازنة الوطنية
السنوية، وأهمية إيلاء الخطط والبرامج الثقافية ما يناسبها في
الموازنة العامة ، تلك الموازنة التي يمكن ان تسهم في دعم
وتنظيم (اقتصاد الثقافة) وإدامة خططه وجهده وبرامجه عبر تأهيل
العديد من القوى الاجتماعية للفاعليات الاجتماعية التربوية
والتنموية المتوازنة . وما من شك فإن تهيئة الأسس المادية
والبرامجية للاقتصاد الثقافي يفترض وجود أصحاب القرار المؤمنة
به ، والقوى الفاعلة والقادرة على تعميم رسائله والتعريف
بسياقات عمله وجدواه في توسيع قواعد التنمية الأخرى، لأن نجاح
الخطط الثقافية يعني توسيع القاعدة المادية لأجيال متعلمة
مؤمنة مدربة بخبرات استثنائية، ليس في مجال العمل والإنتاج فقط
وإنما في مجال الانتماء الى العملية الوطنية ومساراتها
المتعددة ، ذلك الانتماء الذي يعمق وعي المواطن بوطنيته
ومواطنته ، وبما يسهم في تقليل الكثير من الأنماط االمغشوشة في
المجتمع، أنماط القوى المقنعة ، أنماط التنميات المغشوشة،
أنماط الفساد الإداري والأخلاقي والسياسي . |