الكتاب من جنات الاحلام الى جحيم الزنازن

هناك من يعتقد الان ان زمن الكتاب الورقي قد انتهى.. واختفت لذة القراءة في الاوراق الصفر بعد النجاحات العلمية الهائلة لتقنيات المعلومات ونظم الخزن الالكترونية. حتى عاد قرص ليزري ضئيل بحجم اليد او اصغر يحتمل العشرات بل المئات من المجلدات التي كان القارئ فيما مضى يبذل جهده وماله في سبيل الحصول عليها. وينفق عشرات السنوات للحصول عليها حتى اصبح القارئ اليوم بفضل هذه التقنية الدخول الى اكبر مكتبات العالم دون استئذان وهو جالس في غرفته ويتجول في آفاق المعرفة والفكرية العالمية التي تتضمنها هذه المكتبات؟ كمكتبة” الكونغرس الاميركي “ الشهيرة ومكتبة” السوربون “ العالمية وغيرها من مكتبات العالم.
هل يعني ذلك نهاية عصر الكتاب المطبوع وزوال زمن الوراقين؟. وحكاياتهم التي اخذت حيزا متألقا في التراث العربي بنوادر اخبارهم وحكاياتهم الطريفة الممتعة؟ هل سيحتفي القراء.. في شارع المتنبي وشوارع دمشق والقاهرة وهم يجوبون شوارع الكتاب والمكتبات..؟هل ستختفي معارض” الكتب “ السنوية واعيادها الموسمية.. التي ينتظرها القراء والباحثون بفارغ الصبر كل عام؟
ـ اعتقد ان واقع حال” الكتاب الورقي “ وارقام مبيعاته المتصاعدة.. وازدحام اسواق الكتاب.. ووجود الملايين من عشاق الكتاب الذين ما يزالون يبحثون عن” لذائد المعرفة “ و” اكتشاف أكسير الوعي “ في الاوراق الصفر التي يشم بها القارئ الباحث عبق الازمان وعطر التاريخ المتخفي بين اوراق كتاب مطبوع بحرف حجري او مخطوط بحبر الاجداد ومحفوظ بجلود الحيوانات.. حماية له من تقلبات الزمن وتحولات السياسة

ما زالت المكتبة تشكل لدى شريحة المثقفين فضاءً معماريا جماليا يزين بها غرفة الجلوس ويعرفها بزهو لضيوفه.. وكأنما يعرض بها تاريخ هذه الكتب وذاكرتها التي قد تكون مقترنة بواقعة حياتية متميزة او صديق هاجر ولم يعد او مداهمة لبوليس” الكتاب السري"

لربما تكون الثورة المعلوماتية وادواتها التكنولوجية قد أزالت ادلة الاثبات والاداة التي يبحث عنها رجال الامن في مكتبات القراء” المشاكسين “ المعارضين على الدوام” لحكم الاستبداد “ بفعل القراءة التحريضي ولكنها لم تقضِ على عشاق القراءة. فكما للانسان ذاكرته التي يستحضر بها المواقف والوقائع ورائحة الازمنة فأنّ للكتاب ذاكرته المطبوعة على غلاف الصفحة الاولى منه والتي تبوح بنفسها دون ان تتمكن من ذلك كل الآليات المعقدة لتكنولوجيا المعلومات الحديثة..
ومن المناسب هنا ان نذكر ان واقعة” الكتاب الاول “ والتي تكون عادة قصة للاطفال او محلية فنية او رواية بوليسية مشوقة.. تظل عالقة في ذاكرة القارئ حتى بعد ان يبلغ أعلى درجات الوعي ولربما الانتاج التأليفي .
ومن هذه الواقعة سيبتلي القارئ بداء القراءة وعشقها المجنون.. الذي سيصعب الشفاء منه فيما بعد.. عندما تشعر بأن هذه الهواية الخطرة قد اخذت بك من ضيق الامكنة الفقيرة الى آفاق الاحلام الملونة.
وفي المجتمعات التي تحكمها طواغيت مستبدة وبربرية يصبح قضية الحصول على كتاب والمشي في مسالك الوراقين والتجوال بين ارصفة الكتب مغامرة سرية غير محمودة العواقب تترصدها عشرات العيون من رجال وعسس السلطة.

ولذا فالكتاب قد يقود عاشقه من منصة الاحلام الوردية الى زنازن ضيقة يعدها هؤلاء المستبدون الطغاة لمجانين المعرفة وعشاق الكتب فيحجرونهم خشية تفشي اسرار وعيهم وعشقهم الى العامة من الناس.
وقد ينطبق على هذه المفارقة قصة العراقيين دون سواهم من البشر.. قصة العراقيين مع الكتاب هي مضرب مثل لدى العرب والعالم بأجمعه منهم الذين يقرأون ما تؤلفه مصر وتطبعه” بيروت “ على حد تعبير المثل المشهور كما انه من النادر ان يخلو بيت من بيوت مثقفي العراق وغرفهم الخاصة من نوعين من المكتبات.. علنية يظهرها للجميع.. وسرية لا يطلع عليها الا الخاصة من اصدقائه والتي تحتوي على كتب السياسة والمؤلفات التي تحرض القراء عادة على الغضب والتمرد والانتقام من السلاطين والتبشير بالثورات.. ابتلى المثقف العراقي برجال أمن كانوا من الجهل والتخلف بحيث لا يفقهون شيئا في قراءة الكتب ولا يعرفون عناوينها.. فيلتبس عليهم الامر للدرجة التي يعتبرون اجزاءً صغيرة من القرآن وكتب الادعية ادلة ادانة ضد المتهم من كل ما تقدم.. مهما بلغت التكنولوجيا من تقدم في مجال المعلومات.. ومهما بلغت قدرة الاقراص الليزرية على الخزن والعرض المرئي ـ فانها لا تصلح في الوصول الى لذة الاكتشاف ومتعة القراءة في الاوراق الصفر.. ولا توفر مطلقا مسرات التجول بين باعة الكتب واحزمتها المرمية على ارصفة اسواقها المزدحمة بالقراء.
..
كما سيظل عشاق الكتاب ممن لا يرى بديلا لذلك المشهد الساحر الاخاذ الذي يشيع في الناظر سرورا كلما طالع مكتبته صباحا.
وللاجابة على سؤالنا الاول.. هل انتهى زمن الكتاب المطبوع؟
نجيب كخلاصة للموضوع: ان من عرف لذة التصفح في اوراق المخطوطات والحجريات القديمة.. ومن استنشق عبير الازمنة ونكهة التاريخ لا يمكن ان يفرط بعشق القراءة.. ودائها الجنوني.
..
وخاصة نحن الان في مرحلة الازدهار للكتاب المطبوع.. بعد ان غاب حراس الحدود الجهلة.. وبعد ان اختفى رقيب الكتاب من شارع المتنبي.. والـــــى الابد ولم تكن الثورة المعلوماتية الا عاملاً في تقريب المســـــافات بين الظواهر والرمـــــوز المعرفية وتيسير سبل هذه المعرفة..فأذن عصـــــر الكتاب المطبوع لن ينـتــــــــهي على الاقل لسنوات طويلة قادمة .

( جريدة الصباح العراقية )

 

 


اعلى الصفحة

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006