هذا الرسول الصامت

عبد الجبار العتابي / كاتب وصحفي عراقي ـ بغداد

قيل فيه الكثير ، وامتلأت بطون الذواكر بمديح عال ٍ له بعيداً عن المغالاة ، وتشعب وصف المديح فأمتد الى مسافات شاسعة من الافاق الدرية للانسانية التي حلق فيها مسرورا بتواضع جم ، بجناحي هيبة ووقار ، واذ لم تخدش بروق الالقاب والمديح تواضعه او تمس كُُُم (غلافه) المهيب بطرف غرور او نرجسية ، فتزاحمت عليه اكاليل الثناءات معطرة..لانه الغاية والوسيلة لمكارم الاخلاق .
ولعل من اعظم ما ابتكره الانسان تمثل في ادوات ومواد الكتابة ، من الورق حتى الحبر لأن بها تعزز موقف الحياة من الدنيا واستقام خط سيرها باتجاه المنفذ الوحيد الابهى لايجاد ما يحلم به الانسان منذ اول صخرة استطاع تطويعها لنقش ما فكر به للتدوين ، ليعرج خط سيره الى الاعلى وهو مفعم باحلام البشرية وامنياتها بالوصول الى الذروة .
والبشرية التي وقفت على قدميها تحيي بكل ارادتها ما تمخض عنه الصراع المستمر بين عصور الحياة واجيالها المختلفة ساكبة عصارة افكارها في هذه البودقة الجليلة العظيمة التي لا تغدر ولا تسهو ولا تتعطل ولا تنام ولاتتحكم بها غريزة او تهزمها نزوة تعكر صفوها ، جاعلة من الكتاب خبز ادمغتها الطازج ابدا ، غذاء روحها الذي لابد منه ، والبشرية اذ تحييه تحيي الفائز بمجدها وذخائرها وكنوزها ، وهو الكتاب .. هذا الرسول الصامت الذي اضاء بحروفه النورية دهاليز الظلام الممتدة في الرؤوس واخرج خفافيش الجهل من جحورها لينتعش اللب ويبدأ بتسلق سلم حضارة جديدة ومدنية رفيعة المستوى
والكتاب الذي بدأ ناطقا ومر بمراحل عظيمة دقيقة اثرت على الحياة واعطتها صورة اخرى اعمق واجمل بأطار ذهبي يبهر بلمعانه الناظر المتأمل ، انتهى صامتا ليكون انيسا حميما وجليسا صادقا لا يحلم الاّ بالهدوء والسكينة للجليس ليمحق سلالات الجهل ويمسخها ويزين العقول بأنوار لا تنطفيء ، تضيء مخافر العقل .
لقد بدأ الكتاب انساناً، ومرّ برحلته الطويلة بين  العصور بالكتب المصنوعة من الخرز والحبال والحجر والرقم الطينية والرق والبردي والورق، وكل هذه الكتب تحمل سجايا الانسان لتنشرها الى الانسان لكي يعرف طريقه ويجد السر الذي تكمن وراءه السعادة .
 (نعم الذخيرة)  .. ذلك هو الكتاب كما يصفه كل من طالع كتابا ، ولا ننسى ان الله سبحانه وتعالى انزل اول كلمة على صدر الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) وهي كلمة ( اقرأ)، فالكتاب الذي قال عنه المتنبي انه خير جليس ، هو الكتاب الذي قال عنه الجاحظ ..اقرأ ، لما للقراءة من منفعة في الحياةعظيمة ، هذا الرسول الصامت.

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006