الصحافة الألكترونية

 بشرى الحمداني ـ صحفية عراقية

 استطاعت تكنولوجيا الاتصال والمعلومات التي غزت العالم بتقنياتها المتطورة أن تؤثر على الاداء الصحفي والاعلامي لوسائل الاعلام المختلفة بما يؤدي الى تحسنها وتطور ادائها الفني والمهني بخاصة بعد أن شهد العالم ومايزال ثورة تكنولوجية شاملة احدثت تغييرات جذرية في نواحي الحياة كافة، وأن التطور والتغير أصبحا سمة من سمات عالمنا المعاصر وليصبحا تعبيراً عن الثورة التكنولوجية تلك. إن كثيراً من الباحثين والمفكرين أمثال صاموئيل هانغتون في كتابه "صراع الحضارات"، ويوجيمو فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ"، الفن توفلر في كتابه "تحول السلطة”، ولتر ريستون في كتابه "افول السيادة" قد أكدوا جميعاً بشكل أو بآخر ان القوة أضحت تعود للعامل التكنولوجي والتقني، وقد جاء لسترثرو في كتابه "المتناطحون" ليقود المرء الى المعرفة التي تقول أن الفائز في القرن الحادي والعشرين هو من يمتلك مفاتيح القوة التكنولوجية والمعلوماتية. ان تأثير تكنولوجيا الاعلام قد طال الصحافة شأنها بذلك شأن جميع وسائل الاعلام الاخرى، لتجد نفسها "الصحافة" داخل وسيط يحتمل ان يكون بديلاً للورق في نقل الصحيفة بيد القارئ ولتكون الشبكة العالمية للمعلومات "الانترنت" هي البيئة التي فضل الناشرون ان تكون الفضاء الجديد للصحافة العالمية، لتضيف (الانترنت) للصحافة مميزات وسمات وخصائص متعددة حبذها القراء واستغلها الناشرون لتبدأ مرحلة "الصحافة الالكترونية" التي غزت العالم منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي ولتتسع هذه الظاهرة لتصل الى عالمنا العربي بخاصة بعد أن أصبحت أرقام استخدام الانترنت والكومبيوتر في ازدياد مضطرد. ومع دخول الانترنت وظهور الصحافة الالكترونية لم يبق جدل في ان اجراءات نشر الصحف قد اصبح افضل من السابق، لذلك فان صناعة الصحافة العربية وجدت نفسها في مواجهة نوع جديد من محتوى العمل، جديد في صيغته وفي طريقة ارساله الى السوق الذي بدأ يحتاج الى طرق ماهرة في التكنولوجيا الحديثة وفي استراتيجية تناول المعلومات، واصبحت آلية تقديم المعلومات اكثر اقناعا كما توفرت خيارات مختلفة لزبائن الصحف والاخبار، وهذا كله يعني ان الانموذج التقليدي لقراءة الصحف قد تغير تماماً. في السنوات الاخيرة ازدادت كمية واهمية المعلومات، وسرعة جمعها وطرق معالجتها ووسائل انتاجها وسبل انتقالها وتوزيعها، وتضاعفت القدرة على تخزينها واسترجاعها واستقبالها وعرضها، وحفظها، وتوظيفها، وشهدت وسائل الاتصال تطورا كبيرا بسبب الثورة التقنية التي تركت بصماتها على ادائها وتركت اثارها عليها من حيث تطوير الاداء الصحفي، وخلق ممارسات صحفية جديدة وتيسير اداء المهام التقليدية ومواكبة الثورة المعلوماتية الجديدة، واضطلاع الصحافة بدور مهم في عملية صناعة الاخبار والمعلومات وبخاصة بعد انتشار الانترنت واتجاه القائمين على الصحافة الى استغلال الميزات التي يوفرها فضاء الانترنت للصحافة من انتشار اوسع في ايصال الاخبار، ومميزات استخدام الالوان والاصوات والحركة والمؤثرات الاخرى، وسهولة تقديم الخدمات المتعددة للقراء وميزة التفاعلية بين القارئ والصحيفة التي توفرها المواقع الالكترونية بشكل آني حيث تم الاتجاه الى ظهور مايعرف بالصحافة الالكترونية. وبالرغم من التطورات الحديثة في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في عالم الصحافة الا انه لم يتم رصد واقع هذه التطورات على الصحافة التقليدية، وظهور الصحافة الالكترونية وانعكاساتها على الصحافة المطبوعة، وتأثير ذلك على مقروئية الصحافة وتوزيعها وانتشار الاعلان الالكتروني، وعلى الرغم من وجود بعض الدراسات الغربية التي تطرقت بشكل مباشر الى الصحافة الالكترونية التي شهدت تواجدا كبيرا ومؤثراً في الساحة الاعلامية الغربية، الا ان معظمها افتقد الى الشمولية بسبب التخصص الشديد فيها، وعدم التمييز بين الصحافة الالكترونية ووجود مواقع الكترونية لصحافة مطبوعة على الانترنت . وتنمو الصحافة العراقية اليوم في شبكة الانترنت بشكل واضح، ولاتمضي مدة قصيرة الا وتؤسس صحيفة جديدة أو قديمة لنفسها موقعاً على الانترنت، وتنضم صحف عريقة مع اخرى جديدة الى الوجود الصحفي العربي في الانترنت. وان وجود الصحافة العراقية اليومية الالكترونية على شبكة الانترنت مع الانتشار الواسع لها والتطورات التي تحدث لها في اوقات متقاربة مع تطورات النشر الالكتروني العربي يستوجب وضع هذه الصحف امام البحث العلمي الجاد. ولايعني تحول الصحافة الالكترونية مجرد استبدال المطبوعة المقروءة على صفحات جرائد ومجلات الى مادة الكترونية، ويتم التعامل معها في اطار شاشة بل إن المسألة تتجاوز ذلك بكثير حيث مست التحولات اطراف العملية الاتصالية الصحفية كافة لتشمل الوسيلة والرسالة والمرسل والمستقبل والتغذية المرتدة بل ونمط التسويق أيضاً. وان الصحافة الالكترونية ظهرت وتطورت كنتاج لشبكة الانترنت التي تقف رمزاً واضحاً لثورة المعلومات التي يشهدها العالم في الوقت الراهن. ويرى الباحثون ان الاندماج بين الصحافة الالكترونية والصحافة المطبوعة سيزداد لاسباب اقتصادية كون دور النشر العالمية تتجه الى تنويع نشاطاتها الاعلامية، وذلك بدخول مجالات الراديو والتلفاز والمطبوعات المتخصصة واستغلال أمثل للانترنت. بعد ان أتاحت الصحافة الالكترونية الفرصة للتعامل مع جمهور القراء كجمهور متنوع وغير متجانس حيث يمكنها ارضاء مستويات مختلفة من اهتمامات الجمهور بقدر تنوع جمهور الصحيفة ذاته. كما ان هناك جهود عربية تبذل لتحسين البنية الاساسية في مجال الاتصالات وتوسيعها، وتحسين خدمات الانترنت، وتوسيع مجالات التدريب، وتحسين مستوى التعامل مع اللغة العربية في الشبكة لتوسيع قاعدة استخدام الانترنت في الوطن العربي. في الوقت الذي يزداد عدد الصحف اليومية العراقية والعربية على شبكة الانترنت يوماً بعد يوم، وبذلك يتسع النطاق اللغوي لمفهوم الصحافة الالكترونية مع العلم أن مفهوم الصحافة الالكترونية لم يتم استيعابه بعد بالقدر الكافي من قبل الناشرين العرب.

 

 

 

 

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006