لمحات من سيرة المكتبة الوطنية العراقية

الحلقة الثانية

(المكتبة العامة)

جمال عبدالمجيد العلوجي / مدير المكتبة الوطنية

في سنة 1924 الحقت (مكتبة السلام) بوزارة المعارف التي اصبحت مسؤولة عنها ادارياً وفنياً ومالياً وجرى تبديل اسمها الى (المكتبة العامة) لتتخذ طابعها الرسمي، وقد أختير لها مكان مناسب في بناية المدرسة المأمونية، كما ذكرنا ذلك في الحلقة السابقة، وكان المكان يتألف من قاعتين احداهما لخزن الكتب والاخرى للمطالعة، وحددت خدماتها صباحاً للطلاب وعصراً لعامة الناس، وقد بلغ معدل المطالعين الوافدين اليها شهرياً بين (800-1000) مطالع (1).

وبأمر من الملك فيصل الاول اصبحت المكتبة المركزية للبلاد بعد ان خصص لها بناية منفصلة في شارع الرشيد (بابا الاغا- قرب سوق الصفافير) وهي البناية التي كانت تشغلها (جريدة اليقظة) واضيف اليها مجموعة  كتب نظارة المعارف ومكتبة جمعية الشبان المسيحيين. وتولى وزير المعارف آنذاك (محمد رضا الشبيبي) رعايتها(2).

وفي سنة 1930 انتقلت المكتبة الى بناية الاوقاف في الباب المعظم حيث شغلت الجهة اليسرى منها بينما كانت مكتبة الاوقاف على الجهة اليمنى وظلت حتى عام 1957.

في سنة 1937 وبسبب عدم توفر المتخصصين في عمليات التنظيم والفهرسة والتصنيف استقدمت وزارة لمعارف مدير مكتبة الجامعة الامريكية في بيروت ليتولى تنظيمها وتصنيفها على وفق نظام (ديوي) المعمول به لدى اغلب المكتبات العربية والعالمية.

ومن الطريف في هذه الفترة ما كتبه السيد  (قاسم الرجب) صاحب مكتبة المثنى في سوق السراي والذي كان معين مدير مكتبة الجامعة الامريكية على معرفة الكتب العربية واجزائها في المكتبة العامة في مذكراته (انه استورد الكثير من الكتب النفيسة والنادرة ولكنه عجز عن بيعها وتصريفها فبارت في مكتبته وحار في ما يفعل بها ليتخلص منها حيث ضايقته نفسياً ومادياً من جراء ما تجمع منها.. فاتفق مع صديق كانت له علاقة وثيقة بجريدة (الرافدين) وطلب من هذا الصديق ان يلوم وزارة المعارف على اهمالها المكتبة العامة وعدم تزويدها بما تحتاج اليه من الكتب النادرة الصادرة حديثا وعدّد تلك الكتب التي استوردها، فصدرت الصحيفة صباح يوم واذا بمدير المكتبة العامة (محمد جواد جلبي ابو التمن) يأتي الى مكتبة المثنى التي لم يكن قد سمع بها لصغرها فأخذ يشتري كل ما نشرته الجريدة فرزمها وقال اذا وصلت اليك كتب اخرى ارجو ان تبلغني بها ولا تكتب بعد ذلك في الجريدة)(3). وفي منتصف العام 1942 عين الاستاذ ( نهاد عبدالمجيد الناصري ) مشاوراً للمكتبة وتسلمها من سلفه  (صبري الزبيدي) الذي سبق له ان حل مكان (محمد جواد ابو التمن) مدير المكتبة الاسبق.

وفي سنة 1957 ازيلت بناية الاوقاف نتيجة لافتتاح شارع الجمهورية فانتقلت المكتبة العامة الى دار مستأجرة في شارع الزهاوي قرب ساحة الكشافة وكان نموها بطيئاً بسبب قلة التخصيصات المالية الممنوحة لها وضعف الوعي المكتبي لدى المسؤولين في وزارة المعارف، ويروى أنّ المسؤول المالي في وزارة المعارف  لم يكن على وفاق مع المكتبة فغالباً ما يقوم بتقليص طلبات المكتبة في شراء الكتب لذلك كانت المكتبة تعتمد على ما يهدى اليها وليس على ما يشترى من السوق، كما لم يكن مدير المكتبة عضواً في لجنة شراء الكتب ليكون على دراية تامة بمايحتاج اليه القارئ ، واما أعضاء اللجنة  فكانوا يشترون الكتب على وفق أمزجتهم وعادة ما تكون بعيدة عن اهواء القراء ورغباتهم(4)، لذلك تعرضت المكتبة للكثير من الانتقادات التي كانت تنشرها الصحف والمجلات المحلية وابرزها ما نشرته مجلة المكتبة في عددها الصادر في تموز 1960 بقلم الاستاذ (عبدالكريم الامين) الذي وضع المكتبة العامة في خانة المكتبات المتخلفة فكتب (لو افتقدت الكتب كل الكتب التي صدرت خلال عشر سنوات مضت لما وجدت كتاباً واحداً من هذه الكتب الصادرة في العراق والبلاد العربية في المكتبة العامة بل لا تحوي المجلات والصحف التي صدرت في العراق بل حتى في بغداد نفسها..اما أثاثها فيعطيك فكرة ان المكتبة واثاثها وجدت في حفريات سومر وأور(5).

ونتيجة لتلك الانتقادات اللاذعة سعى الاستاذ (نهاد عبدالمجيد الناصري) طوال بقائه مأموراً للمكتبة العامة لاكثر من عشرين عاماً الى تحويل المكتبة العامة الى مكتبة وطنية ليحصل على دعم واهتمام اكبر من الدولة وقد نشر العديد من المقالات التي نصب على تطوير المهنة المكتبية في العراق وتأثير ذلك على المصلحة العامة واشار الى ذلك في نهاية كتابه (دليل المكتبة العامة) فقابل المسؤولين في وزارة المعارف وحثهم على ذلك(6). فشكلت لجنة لوضع صيغة قانون المكتبة الوطنية تتألف منه ومن الاستاذ (كوركيس عواد) مدير مكتبة المتحف العراقي. وعُرضت الصيغة على الاستاذ (اسماعيل ابراهيم عارف) وزير المعارف آنذاك الذي قام بدوره وعرضها على مجلس الوزراء فوافق المجلس وصدر قانون المكتبة الوطنية رقم (51) لسنة 1961 الذي نشر في جريدة الوقائع العراقية  في عددها (560) الصادر بتاريخ 9 آب 1961 حمل توقيع (محمد نجيب الربيعي) رئيس مجلس السيادة واللواء الركن (عبدالكريم قاسم) رئيس الوزراء . وبتأسيس المكتبة الوطنية بموجب هذا القانون تكون الجمهورية العراقية قد توجت الجهودالجبارة للعمل الثقافي الجليل في عهدها الزاهر لتكون المكتبة مصدراً للاشعاع العلمي والفني والادبي بما تعرضه من تراث على الجيل المعاصر والاحتفاظ به للأجيال القادمة(7).

 

المصادر

(1)قحطان احمد سلمان الحمداني- المكتبة الوطنية العراقية وكيفية النهوض بها.

(2) صافي الياسري- المكتبة الوطنية ... معقل أخير للثقافة.

(3)قاسم محمد الرجب- مذكراتي في سوق السراي- الحلقة (10).

(4)قحطان احمد سليمان الحمداني- المكتبة الوطنية العراقية وكيفية النهوض بها.

(5)عبدالكريم الأمين: المكتبة العامة لا تليق بأمجاد بغداد.

(6)قحطان احمد سليمان- المكتبة الوطنية العراقية وكيفية النهوض بها.

(7)جريدة الوقائع العراقية- العدد (56) في 9/8/1961.

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006