العودة الى ( المكتبة الوطنية )

عبد الامير المجر / كاتب وقاص عراقي

قبل ان يستيقظ فجر الحياة كانت الكلمة ، في انتظار الانسان ، او في انتظار المعنى ، الذي سيعطي الوجود بُعده الاكتمالي على مستوى الخلق .. وحين بدأ الانسان ، رحلة كفاحه الازلي ، وجد البدء قد سبقه ، وكان .. كلمة !
وتلك قصة تضمخت بعطر الايمان العظيم ، حين اصبح عنوان الوجود كله ، عبارة تقول .. في البدء كانت الكلمة .. وهي قصة على كل من يسعى للاقتراب من الحقيقة ان يدركها ، او انها مفتاح العلماء والمفكرين في الدخول الى دائرة الاسئلة الكبرى ، وربما دائرة الاجوبة الكاملة ، والمؤجلة معاً !
ها انا اعود الى البدايات ، او الى مطلع العقد الثمانيني ، حين اخذت ابحث عن شيء اجهل تفاصيله ، لكني كنت اتحسسه في داخلي ، بصيغة سؤال ، صار يلح علي ّ ان ابحث عن اجابته في الكتب التي اشتريها باستمرار من المكتبات والاكشاك ، وامكنة اخرى ، لأطعم عقلي الذي يشكو جوعاً للمعرفة ولما يزل ، حتى اشار علي ّ صديق حين كنت في الجيش جندياً يشغله هم آخر غير هم الحرب التي كانت كتاباً مفتوحاً تنزف حواشيه صوراً متعددة للقبح والموت .. اشار عليّ صديقي بأن اذهب الى ( المكتبة الوطنية ) .. كلمتان هزتا كياني ، لاسيما بعد ان عرفت انها تحتوي على مالذ وطاب من طعام المعرفة ن فاستيقظ جوعي ، وانا القادم حديثاً للعاصمة ، يدعوني للذهاب الى هناك ..

كان المدير العام حينذاك الباحث الراحل عبد الحميد العلوجي ، الذي اعرفه من خلال الصحافة اكثر مما اعرفه من خلال كتبه !
وحين دخلت ذلك الصرح العظيم ، شعرت بالرهبة ، التي تحولت الى خوف بعد دخولي القاعة الكبيرة في الطابق الاول الذي ارتقيت السلم اليه مسترشداً بدليل من الدائرة ، لأرَ اعداداً غير قليلة من الاساتذة والباحثين والطلبة ، يقفون بانتظار تسلم كتب طلبوها ، وكان علي ّ ان افعل مثلهم ، لأحصل على كتاب ، فوجدت من يرشدني الى ادراج ممتدة مع الحيطان ، تحتوي عناوين الكتب التي تهت وسط بحرها الواسع ، وانا الشاب العشريني الذي مازال يقف خائفاً متوجساً على الرمال يتطلع لبحر يمتد امامه ، او هكذا صرت اتخيل عالم المعرفة الذي اطللت عليه من خلال كتب غير قليلة قرأتها من قبل ، وهي في قياس ماعرفت لاحقاً ، كالقطرة ليس الاّ ، وهذا ما تاكدت منه الآن ، اقصد في تلك اللحظات التي دفعني فضولي فيها للاطلاع على محتويات الادراج التي تزاحمت فيها عشرات الالاف من العناوين المختلفة ، وقلت حينذاك : كيف لي ان اقرأ كل هذا ؟!
سؤال ظننته ساذجاً ، لم يسعفه الاختيار الاول والثاني ، لكن مع الايام او مع ايام الاجازات التي كنت اقضيها معاقراً قاعة المطالعة في المكتبة الوطنية ، انفتح امامي افق اوسع ، لأكتشف جهلي ، واكتشاف الجهل ضرب من ضروب العلم كما يقول الجاحظ ، وهو ماعرفته لاحقاً ، وحمدت الله على جهلي الواعي ، وانا افض الكتب ، لأكتشف الاسئلة الكبيرة ، التي طرحها اهل الفكر والثقافة ، واكتشف شيئاً من ذاتي او هكذا اعتقدت !
اذن ، بدأت الرحلة في ثمانينيات القرن الفائت ، واستمرت ، خارج المكتبة الوطنية ايضا خلال سنوات لاحقة ، بعد ان منحني هذا المكان الساحر ـ المكان الذي يحفظ انفاس العلماء دافئة عطرة ـ الدفعة الاقوى باتجاه الكلمة ، ومعنى الكلمة ومسؤولية الكلمة وقيمة الكلمة .. المكتبة الوطنية التي استحالت في ذاكرتي الى أم ، احن ّ الى حضنها الدافئ واحن الى ايامي فيها ، وأحنُ ايضا ً الى ( اجازة ) حقيقية اقضيها بين حيطانها التي تفيض بنفحات من ضوء ، بصمت لا يشبه الصمت ، لأنه يمنح كل صوت
معناه ..

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006