مدن عراقية

النجف في ربع قرن منذ سنة 1908

من كنوز المكتبة الوطنية في دار الكتب والوثائق أخترنا كتاباً يتحدث عن مدينة النجف وموقعها الجغرافي والصحن الشريف للإمام علي (عليه السلام) ومكانة النجف ومنزلتها بين المدن وهو كتاب (النجف في ربع قرن منذ سنة 1908) للكاتب محمد كمال الدين ويقع الكتاب بـ 581 صفحة من الحجم الكبيرز

*وقد اخترنا من هذا الكتاب بعض السطور من مقدمة المؤلف عن مكانة النجف بين المدن:

( نالت النجف مركزا ساميا بين مدن العالم الاسلامي واحرزت مكانة سياسية ممتازة بين مدن العراق كما حصلت بموقعها في رأس هضبتها العالية على كيان سام.

وكان حرياً بابن بطوطة الرحالة الشهير ان يفخر ببلده منذ اكثر من ستة قرون وقد تمثل في الطابع العربي والعراقي طيلة تلك الحقب والاجيال.

لذلك نرى الطابع العربي في النجف مائلا على اشد ما يكون من قوة نرى الخلال والاخلاق العربية مفخرة النجفي وثوبه الفضفاض، نجد اللغة العربية هي السائدة بين عموم الطبقات.

* وعن جغرافية النجف التاريخية واماكنها العامة نقرأ:

( تقف مدينة النجف على هضبة جرداء تتخللها تلول وواد يخترقها ن ترتفع عن سطح البحر نحو 50 مترا تقريبا تطل من غربها وجنوبها الغربي على اراضي بحيرة النجف الجافة والمنخفضة عنها في 15 مترا تقريبا، وفي سطح هذه الاراضي تبدو للعيان صخور الذكوات المسماة (الطارات) تتخللها الاغوار والمناجم الصخرية والطينية المتآكلة بالسيول وبمعاول العالم النجفي ، وحول هذه الاراضي بساتين النجف ونخيلها الجميلة، ومن هذه المجموعة المتناقضة يتكون منظر النجف الجميل صباحا وعصرا.

وغير خفي ما في هذه الارتفاعات والانخفاضات والصخور والمغاور وما ينتج عنها من المناخ الجاف والحار من تأثير الظاهر على صلابة نفوس اهاليها ومتانة اخلاقهم سيما وانها تتصل في نجد والجزيرة مباشرة، وفي شمال النجف مقبرة تنقل اليها الموتى من جميع الاقطار.

 اما جنوب النجف وبقية شرقها فهو ارض منبسطة منها طرق السيارات الى الكوفة وابي صخير وقد انشأت فيها الان مدينة النجف الجديدة تحاط المدينة بسور ضخم يبلغ ارتفاعه 14 مترا محاط في خندق عرضه ستة امتار عميقة يتشكل السور من ستة اضلاع مختلفة تتخللها الابراج والحصون المنيعة والثقوب الحربية كما تتخللها اربعة ابواب فقط هي: مدخل النجف ومخرجه العام، بابان منها متقاربان شرقي البلد يخرج من احديهما الى طريق كربلاء وهي خاصة في محلة المشراق تعلوها بناية شيدتها جمعية الاتحاد التركية مركزا لفرعها يحاذي هذه الباب خارج السور مترب مرتفع تكون منها اتربة بناية السور ، ومما تقذفه البلدة من الاتربة والرمال وفي هذا المترب جرت العادة ان تضرب الاطناب الحربية.

والباب الثاني يدخل منه الى محلة البراق ويخرج منه الى خط الكوفة الحديدي، وعلى الجانب الايمن لهذا الخط (للخارج من النجف) بمسافة مائتي متر يوجد خان منعزل بناه الحاج عطية ابو كلل اثناء الفترة بين عهدي الحكومتين العثمانية والانكليزية، ولم يزل الى هذا العهد.

اما الثالث من ابواب النجف فهو الجنوبي الغربي المعروف (باب الشتابية) تتصل به محلة الحويش، ومن هذا الباب طريق النجف الى اراضي البحر، وعند مخرجه محاذيا للسور متربان عظيمان يرتفعان على دور البلد والسور في خمسة عشر مترا تقريبا وهما على جانبي الطريق العميق الى البحر، تكونا من اتربة السور ومما تقذفه البلد ، وكان الشرقي منها مركز الخنادق الثوار النجفيين .

 والباب الرابع يقع غربي البلد يسمى (باب الثلمة) وهو مخرج المحلة الرابعة للنجف (العمارة) وعند مخرج هذا الباب دار عطية ابو كلل المدعوة (الدرعية) تشبها بدرعيتي آل سعود وآل رشيد، وحذاءها طريق تصل وديان اراضي البحر وطرق بستانية ).

* اما الصحن الشريف والذي يعتبر اكبر مجمع عام فقال عنه المؤلف:

( هذا الصحن هو المجمع العام للنجف يرتاده النجفيون من الفجر الى مابعد العشاء بساعتين تقريبا، يحتشدون به احتشادا عظيما عند الصبح وفي المساء، يشكلون في كل بقعة حلقات لكل صنف ومهنة فتجد التجار بانواعهم، الحيكة البنائين والنجارين والحدادين والنقاشين الى غير ذلك من ارباب الصنائع والمهن والحرف كما نجد حلقات الروحانيين والشعراء والادباء والمحدثين والقراء تلاميذ المدرسة الحديثة، وكل هذه الحلقات الجميلة والجماعات المنتظمة تتحادث وتتناقش في صنعتها ومهنتها وتعرض الاراء القيمة والنقود الصحيحة في مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والادبية القديمة والحديثة بكل انواعها، وافراد هذه الحلقات مطلقة الحرية تنتقل من حلقة الى غيرها ويجني اعضاؤها في كل زهرة ما حلا وطاب وتلقح الازهار ببعضها فتشمل الفكرة الحديثة والنظرية الجديدة كل الطبقات بأسرع من البرق، وسرعان ماتتوحد الاراء وتختمر الافكار وتتشابه اللغة والاساليب. ولايقتصر هذا المجمع الهائل على الرجال فقط بل يحشر فيه الشباب، وتجتمع في رواق الحرم قسم عظيم من النساء ، كما تستعرض في هذا المجمع جميع الحوادث والاخبار اليومية عن جميع نواحي العراق بل عن معظم بلدان العالم الاسلامي وتصدر عن هذا الحصن جميع الاخبار والحوادث الى سائر نواحي العراق يسرعة غريبة حيث تجتمع فيه يوميا مئات الزوار الوافدين والمسافرين وفي هذا المجمع تعالج قضايا البلاد والسياسة والاجتماعية وتحلل اعمال المصلحين وحياة المفسدين وتختمر المقترحات ).

اما مكانة النجف ومنزلتها بين المدن:

( لمدينة النجف مكانة ومنزلة كبرى ليست في العراق فحسب بل في جميع العالم الاسلامي والذي كون هذه المنزلة السامية الدين المقدس، والدين وحده كفل تمصير النجف ومكن لها مركزها اذ ليس في النجف من المؤهلات الطبيعية لتكوينها مدينة فلا ماء ولا زرع ولا ضرع بل ولا مناجم طبيعية تجتذب الايدي العاملة والسكن فيها وكل مانالته من التجارة والصناعة فمن طريق الدين الحنيف فهو مصدر حياتها وقد تمثل هذا الدين الحنيف في قبر الامام عليه السلام وما ضم من الارواح القدسية ومن هذا الامام العظيم وقبره المقدس تنفجر ينابيع المياه وتدفعه موارد الثروة وبفضل هذا الامام الاعظم تدرجت هذه المدينة ونالت منزلتها الكبرى.

لقد سيطرت النجف على العادات العراقية فما عادة يتخذها النجفيون في نواديهم ومجالسهم في افراحهم واحزانهم في مآكلهم ومشاربهم الاواقتدت بها سائر المدن العراقية معجبة مفتخرة.

سيطرت النجف على المسلك والازياء فلا يستعمل النجفي طريقته في الزيارة والمعاشرة والمجاملة والمراسلة ولايلبس نوعا من الملابس الا واستعملت في معظم مدن العراق ).

عرض : كوثر جاسم  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلى الصفحة 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006