كتاب مترجم في حلقات

إينانا ملكة الارض والفردوس أسطورة بلاد مابين النهرين

دايان ولكشتاين – صموئيل نوح كريمر

ترجمة وتقديم د. شاكر الحاج مخلف

سلسلة الكتب المترجمة

الحلقة السادسة

سركون الاول الاكادي

قبل الدخول في تفاصيل حياة واعمال الملك "سركون الاكادي" وبنائه الناجح للامبراطورية  الاولى في تاريخ بلاد الرافدين، نتوقف عند النص المدون على رقيم سومري يوجز بشكل مكثف حياة ذلك الملك العظيم ونقرأ المدون على النحو الاتي :-

أنا سركون

الملك العظيم.. ملك أكاد،

أمي كانت كاهنة معبد،

ولم اعرف لي أباً،

اعمامي احبوا المناطق الجبلية وسكنوا فيها،

ومدينتي اسمها "أوزو بيراتو"،

هي مدينة على ضفة الفرات،

حملت بي أمي الكاهنة سراً،

وعندما ولدتني تملكها الخوف

فوضعتني في سلة من القصب ختمتها بالقار الاسود،

وانزلتني في الماء الذي لم يغمرني،

ماء الفرات المقدس،

هو الذي حملني الى البستاني "آكي"،

هو الذي انتشلني عندما كان ينضح الماء من النهر بسطله،

"آكي" الرحيم ! اخذني اليه كأبن له ورباني،

ثم جعلني اعمل بستانيا في أرضه،

وبينما انا اعمل في البستان،

منحتني عشتار حبها،

فصرت ملكاً..

آكاد تنهض نحو السماء

تروي كتب الحضارة القديمة اسطورة الملك "سركون الاكادي" صاحب الطموح والبطولة المطلقة، لقد جاء في مطلع شبابه الى مدينة "كيش" التي تقع في شمال "سومر" ثم دخل في خدمة البلاط الملكي، حتى دفعه طموحه الكبير ليصل الى المناصب العالية في هرم الدولة والحكم، عندما صار يلقب بـ (ساقي الملك) كان من يصل الى ذلك المنصب يعتبر بمثابة الوزير المؤتمن على حياة الملك واسراره الشخصية، لكن "سركون" انقلب على مليكه المدعو "أور- زبابا" وذلك عندما تعرض الاخير الى هزيمة عسكرية حلت به، قاد سركون على اثرها مجموعة من الاتباع من ذوي الاصول السامية فاستولى على السلطة في مدينة "كيش السومرية"، ثم ما لبث ان رحل عن كيش الى مدينة مغمورة في ذلك الوقت اسمها "آكاد" تلك التي كان يغلب عليها الطابع السامي، اقام فيها ثم جعلها عاصمة له، حتى اخذت تلك المدينة تبرز الى مقدمة المدن السومرية المهمة، وقد وصفها شاعر سومري بانها مدينة االرماد التي تنهض نحو السماء، في زمن لاحق صار "سركون" يشن الحملات ضد دويلات المدن الاخرى ويضمها الى مملكته وتمكن من توحيد "سومر" وبقية ممالك ودويلات بلاد الرافدين لتكون دولة واحدة قوية ترهب الدويلات والممالك القريبة والبعيدة وتطالبها بالخضوع وتنفيذ رغبات حكامها.

سيف الملك الفاتح

من القصص التي تروى عن الملك "سركون الاكادي" انه كان يغادر مدينة "آكاد" في حملات حربية متواصلة بعد ات استقرت له الامور في وادي الرافدين الجنوبي والاوسط والشمالي، هذا الملك الفاتح انطلقت حروبه المتتالية قاصدا الشمال الغربي مكتسحاً كل المدن والدويلات التي تقع في مدار حملاته العسكرية حتى وصل الى مدينة "ماري" التي كانت حواضرها على نهر الفرات ثم تجاوزها مستكملاً فتوحاته الباهرة لتمتد حدود مملكته على اثرها من البحر الادنى "الخليج العربي حاليا" الى ضفاف البحر الاعلى "البحر المتوسط حاليا" ثم اندفع بقواته ليخضع "عيلام" واجزاء كبيرة من "بلاد فارس" كان الملك الاكادي "سركون" بعد كل تلك المعارك والملاحم الكبيرة يغسل سيفه في مياه البحر المتوسط ويخلد الى الراحة ثم يستأنف الحرب من جديد لتأديب الفراعنة ودخول مملكتهم الواقعة في "ارض مصر حالياً"..

حمورابي : الملك الذي منحته الالهة حكم الؤوس السود

تحدد كتب تاريخ الحضارة الرافدية القديمة المرحلة الزمنية التي بزغ فيها نجم اكبر شخصية واهم ملك نقش اسمه في جبين تاريخ العراق القديم والحديث على السواء وكان انموذجاً للحاكم والمشرع والانسان المتبحر في قوانين الكون والحياة، كان مسرح ظهور تلك الشخصية الفذة والنادرة في مدينة بابل، ضمن مدار القرن الثامن عشر "ق.م" قائدا كبيرا وملكا دانت له السلطة والرقاب بالحب والعرفان، حكم دولة حدودها مترامية الاطراف اعتبرتها كتب التاريخ من اكثر واكبر دول العالم نضوجا وتطورا حيث بلغت فيها التكوينات الاقتصادية والاجتماعية حالة كبيرة من الرقي والتأسيس المعرفي، حمورابي البابلي ليس حاكما بارزا في بلاد ما بين النهرين فحسب، بل هو اكثر الحكام شهرة الى جانب جلجامش وسنحاريب ونرام سين وسرجون الاكدي ونبوخذ نصر وآشور بانيبال، ذاع صيته في مغرب الارض ومشرقها تهفو القلوب والنفوس الى العدالة التي تبشر بها والتي تفتقدها شعوب الارض، انجبت ارض الرافدين العديد من الرجال الافذاذ وكان حمورابي رمزا مقدسا للذين يتطلعون الى القيادة والحكمة والشجاعة والعدل بين الذين يسوسونهم، خلد هذا الحاكم النابه نفسه وعصره وحكمته على المسلة التي تحمل اسمه والتي غدت مضرب المثل "مسلة حمورابي" كانت صورته وبنود قوانين بابل ذات العمق الانساني والحضاري في مدينة "سوسة" وبعد فك رموزها صارت موضع اهتمام  كل الهيئات العلمية والدارسين لتاريخ حضارات وادي الرافدين، كتاب حمورابي غلى واجهة تلك المسلة العظيمة: انا حمورابي، الملك الكامل، الذي تجاوز كل النلوك، انا الذي منحه الاله "إنليل" حكم الرؤوس السود، كما سلمني الاله "مردوخ" مقاليد حكم الرعية، لم أضع الوقت سدى ولم تلكأ عن القيام باعباء الحكم على اكمل وجه، ألزمت نفسي برعاية الاماكن المقدسة لعموم افراد الشعب دون تمييز، ازحت الظلم عن كاهلهم وانرت لهم الطريق، استعنت على ذلك بالسرح الذي زودني به الاله "زبابا" والالهة المقدسة "عشتار" بالحكمة التي وضعها الاله "إيما" في عقلي، لقد تمكنت تماما من طرد الاغداء من بلاد بابل، يشهد على ذك اقصاها الى ادناها، احبطت شجاعتي وجسارتي  وحكمتي العسكرية قوى التآمر في الداخل، هيأت لبلاد بابل الامن والازدهار وجعلت شعبي يسكن بيوتا امنة، فلن يتمكن احد بعد الان من ان يطردهم منها او يتعالي عليهم، لقد اختارني الالهة الكبيرة دون الناس جميعا لاكون الراعي الذي يسهر على راحة رعيته ويقوم اعوجاجهم بعصاه المستقيمة، سوف تستفيء بظلي الرحيم مدينتي طولا وعرضا وسأحتضن سكان البلاد من سومر وآاكاد بمساعدة الهي الحامي الذي هو بمثابة أخ البلاد، سوف اترك الناس ينعمون بالسلام، ويرغدون بسعة حكمتي التي لا فرار لها، لم ادع القوي يضطهد الضعيف وسوف اعيد للارملة واليتيم حقوقهما، حتى يسود العدل في بابل تلك المدينة التي رفع رأسها عاليا الالهان "أنو وأنليل" في معبد  "ايزانجيلا" الذي تقف اساساته ثابتة منذ الأزل كالسماء والارض يشع فيه الحق وتتخذ القرارات التي تهم كل بلاد بابل، نطق مبارك تسلمته من الالهة اثبته امام صورتي لاكون الملك الذي لايجاري في العدل والتشريع والحكمة، انا حمورابي: الملك الذي تجاوز كل الملوك(1) .

يتبع

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلى الصفحة

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006