|

قرءاة في كتاب
حضور الجمال رغم شخوص الموت ..
( غيلان .. نشيد المشاحيف ) أنموذجاً للقراءة
وجدان عبدالعزيزـ كاتب عراقي
الحياة تجربة وخبرة ، أيام ، وسنين
قاتمة ، وأخرى فاتحة الألوان تبقى تستدعي ضرورة الكلمات
لتطرز جنباتها ذكريات من الحب بأحضان أكاليل زهور تفوح
بالهناءة والدعة ، تفترض الكلمات مساحات التعبير كما هو في
القص الذي يكون واسطة لنقل خبرة القاص إلى القارئ بأسلوب
يجلي العلاقة بين العمل الأدبي كخلق لعالم خيالي وبين
العالم الحقيقي الذي يمثل الخبرة الموضوعية لهذا الكاتب ،
وهي الفيصل في إظهار قدرته في الربط المحنك وفي الإنتاج ،
فالقاص يقدم عمله ويحاول بشفرته الخاصة وضمن فنية الكشف عن
مساراته عازفا على أنماط عديدة من السرد ضمن زمنية معينة
ومستويات سردية ، قد تكون تفسيريه أو غرضية الغاية منها
أيجاد نوع العلاقة بين الخيال والواقع .
أسوق هذه المقدمة علّي أجد دالة أدخل
من خلالها إلى عالم القاص والروائي عبد الأمير المجــر
الذي استدرك تجربته الإبداعية بربطها برؤية الجرأة وافتراض
الحلول ، وقد أعتمد على أحد أقوال غاندي كإضاءة في مقدمة
عمله الإبداعي الموسوم (( غيلان .. نشيد المشاحيف وقصص
أخرى )) ، حيث يقول : ـ
( لا يمكن أن يوصف أحد بأنه فاضل ما لم
يكن جريئا في تكوين آراءه والتعبير عنها ، وما لم ينفذ
أوامــر وجدانه من دون تزعزع ، إلا أن ذلك يبقى مستحيلا
ما دمنا لا ندرك أن صوت الضمير هو صوت الله ، وأنه الحاكم
الأعلى في شرعية كل عمل وكل فكرة ) وأنا عمدت نقل الإضاءة
كما هي لأنها اعتبرت مع العنونة المسارات التي أشرت لها
أعلاه وظلت المناطق المرتفعة والمنخفضة وهي مناطق واقعية
وأخرى من صنع خيال القاص ، المشحوف ، الهور ، ثم هواجس
غيلان وعلاقته بالمشحوف الأثيرية
فـ ( الزوارق وهي علامات ذات شخصية
حركية وصوتية كثيرا ما ارتبطت لدى الأدباء بدلالات فلسفية
أو صوفية تتجاوز ما ديتها إلى الإبحار في الكينونة
واستجلاء العوالم الغامضة والمبهمات الكونية والأسئلة
الإنسانية الكبرى ) *
يقول : ـ ( حين غفا غيلان وسط الأشنة ،
تراءى له انه كمن يقفز من مكان مرتفع ثم أحس أنه معلق في
الفضاء الذي كان يتسع كل ما أنحدر نحو الأعماق ) ** هذا
السرد الذي قدمه القاص عن غيلان هو السرد التابع حيث بدأه
بالماضي ليعلن المراقبة عن كثب وتنطوي المعلومات الكاملة
عن غيلان بين العراف وسلطة الملك { ليقف في الصف من جديد }
وسط بحر الحيرة وأشباح الرؤيـا حتى تصريح القاص عن غيلان
حيث قال : ـ (( وهكذا أشيع عن غيلان أن فيه مساً من الجنون
)) ليجعل شخصية غيلان معقدة ومركبة ، وقد تكون مدورة رغم
أن الواقع الموضوعي في أهوار الجنوب ليس فيه من التعقيد
بمكان يستدعي التأمل والتفكير لأنه لو قربنا صورة غيلان
معلق في الفضاء وهي حالة تسامي ورفعة إلى وهو مثل محارب
مهزوم يتجه نحو( قرية الهباشة ) يحدوه الأمل في الحصول
على الدنانير العشرة ، أي أجواء التفكر والبحث عن منزع
الروح إلى مستنقع الواقع المر الذي يحاصر غيلان وهي محاولة
لتقريب الصورة بين الذات والأنا العليا الموضوعية محاولا
القاص إيجاد دالة فكرية يعالج بها خطواته في رسم شخوصه عبر
مراحل المجموعة القصصية وإيجاد أيضا حالة مشتركة بهم موحد
كما في قصة ( الحمير صانعة الحضارة ) التي حفلت بالترميز
والتلغيز وفيها الكثير من الأشياء التي قالها القاص وأشياء
لم يقلها وتستحق هذ القصة وقفة لوحدها لمحاولة فك شفراتها
، لأنها حاولت استيعاب مرحلة الاحتلال وما بعده وهو
استيعاب لم يكن كاملا كما هو معروف من أن الرؤيا الثقافية
للأحداث الجسيمة لا تتم إلا عبر مسار تاريخي هادئ أي أن أي
مبدع يكون منفعلا في مواجهة الحدث المفاجئ وبعد هذا لا بد
من أن تأتي حالة الهدوء وتكون الرؤيا الواضحة الجلية ،
ولكن القاص ظل متوترا بين شريعة الغاب وشريعة الحضيرة
الإنسانية فـ ( الأدب يقوم على حالات الغياب وليس على
حالات الحضور ... ) **
إذن الحدث في داخل النص الأدبي هو غيره
في واقع معاش ، فهناك يبث أشارات تكاد أن تكون أكثر عمقا
وتحمل أوجها تعطي للمتلقي حرية التأويل ، من هذا حاول
القاص المجر باعتماد ثلاث بنى ارتكزت عليها قصة ( الحمير
تصنع الحضارة ) هي البنية السياسية والبنية الاجتماعية
والبنية النفسية وحالة المزج بين هذه البنى بالمتخيّل تارة
والواقع تارة أخرى مستعملا السرد الموضوعي بالتداخل مع
السرد الذاتي مما أعطى لهذه القصة الزخم الذي نوهنا عنه
وهناك توتر بين الغياب والحضور ومحاولة انسنة الحيوانات
وفي مكان آخر ظل القاص بين السابقة واللاحقة حيث يقول أحد
شخصيات القصة ( المصادفة وحدها عرفتني اليه ) وهكذا فإن
القاص يعطي إضاءات استمرت وبرزت خفايا الشخصية وهنا نجح في
إدارة الحدث باتجاه إبراز الحالة الإنسانية المتجلية في
ساحات الوعي وهي تتوزع بين الحب ـ يعني الحياة ـ وانطلاق
الرصاصة يعني الموت ، وهذه ثنائية الحركة والسكون وظل
القاص منشطرا بينهما ، أحيانا قليلة يقطع سياق السرد بوصف
مقتضب سرعان ما يعود بإضاءة سابقة ثم يلحقها بصورة تظهر
جليا صراعات الشخصية بافتراضات الحياة / أنت تريد الحياة /
وهو يريدها / والاثنان يدركان هذا / وهو تساؤل قد يغوص إلى
الأعماق .. من منا يستحق الحياة ؟
وهو تعبير عن تحرك الإنسان منذ الخليقة
بمحاولات العودة إلى الطهر والكمال وهو تحول وتحرك دائبين
، والقاص أغفل المبررات وجعل الموت المبرر الوحيد في بقاء
الحب اللحن الإنساني الذي يعزف الجمال في أحلك الظروف
العصيبة ، وكأن موت إنسان في حالة هو قيام حب وحياة ، لربط
بداية الإنسان وهو يدخل وحل الآثام إلى سعيه وهو يطلب
الطهر والكمال ، ناهيك عن جهد الكاتب كما نوهنا على إدارة
الحدث في نقطة حرجة جدا وحيادية ، فهناك معادلات / الحب /
الوطن / الالتزام / بعيدا عن زيف التعسف في إجبار الكاتب
على الانحياز لجهة من جهات الثلاثية أعلاه ... بسبب حضور
جمال الذكريات والعشق للأدب والحبيبة والورد هذا الجمال
حضر في ساحات الموت ، فصار يشاطر الجنود وقائدهم وهم
يعلمون جيدا أنهم في أحضان الموت وهي ميزة أدب الحرب
والمعاناة في العراق .
أما في قصة ( بيت القملة ) وهنا القاص
بالرغم من توتر الوضع المحيط به الا انه تعامل بهدوء سردي
وباعد في الرمزية التي استعملها ، فهو تحدث عن علاقته
بجدته كأنما القصة بنيت على هذا ، إلا انه أنتقل نقلة
هادئة إلى ساحات الوغى فجاء الربط مبرر وهذا ديدن السرد
يحتاج دائما إلى الهدوء حتى لا يفقد علاقاته المنطقية في
المعالجة والخروج بالمعنى أو تقريبه على أقل تقدير إلى
المتلقي وبالتالي تخليص القارئ من متاهات البحث في
اللاجدوى وأستمر القاص على ديدنه في نصوصه القصيرة جدا في
رسم الحالات وإظهار أوجه ذاته القلقة التي تحاول التأقلم
والمعايشة لا لأجل الاستقرار أنما لأجل النزوع نحو ماهو
استشراف لحالات الجمال والحياة الهانئة المستقرة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
* ) مجلة الأقلام العدد السادس السنة
2008 الصفحة 61
** ) كتاب الخطيئة والتكفير / عبد الله
الغذامي المركز الثقافي العربي الصفحة 111
***) غيلان .. نشيد المشاحيف وقصص أخرى
للقاص عبدالامير المجر دار الشؤون الثقافية العامة لسنة
2009 الصفحات 5/19/23/70
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلى الصفحة
|