|
رؤية
ثنائية النص والموسيقى في الأدب الرقمي

د. ناهضة ستار
الفرضية الثالثة في القصيدة الرقمية
تلك المقطوعات الموسيقية المصاحبة للنص والصورة ركيزة
ثالثة لخطاب القصيدة الرقمية في تعاطيها مع الذائقة
المعاصرة والوعي الجمالي المعاصر المفعم بالوسائلية
الرقمية في الاستعمال اليومي للأجهزة ووسائل الاتصال
ووسائل الترفيه والتجارة والعمل والثقافة والتعليم والنشر
الالكتروني... فصارت (الرقمية) أسلوب الحياة المعاصرة
ووسيلتها في الاتصال والإنتاج والخطاب والتأثير إلى جانب
النمط الكتابي الورقي وليس إلغاءً له، ولكن المفارقة في
الأمر ان كل عصر له لغته الواقعية هي صورة عصره وحركيته،
والى جانب ذلك له لغة سلفية يحاول الاستمساك بها وكأنها
ذيل ثوب أمه إذا أفلت منه فقد تاه وضل السبيلا... علماً ان
لغة العصر غالبة بها نقرأ واقعنا الفعلي والافتراضي، وبها
يقرؤنا القادم ويقرأ فيها مفردات وعينا وأنماط خطاباتنا
وسياقات تفكيرنا وأنماط تعاطينا مع المستجدات العصرية ومدى
استثمارها والتزامن مع طروحاتها والإفادة من معطياتها...
كما نحن نقرأ الحساسية الشعرية للبطل العراقي (كلكامش) في
ضوء ثقافة عصره ولغته والسياقات الأخرى التي نفترض ان
الملحمة تخلّقت منها وتعبيراً عنها أو انزياحاً عنها أو
انقلاباً عليها، وكما نقرأ (المتنبي) في حساسية واقع
الثقافة العباسية وقصور الخلفاء والأمراء ومكائد أهل
المهنة وحسد الحساد... وهكذا فلماذا اذن يتعرض الأدب
الرقمي إلى معارضات تحمل في كثير منها خطاباً دفاعياً عن
نمط الكتابة الورقية حفاظاً على نسق مأنوس مألوف ؟ من
هنا... أرجو ان لا أكون أرهقتُ قارئي في قراءتي التأصيلية
لأبجدية القصيدة الرقمية في محاولة لأحكام صلة الوصل بين
نمطين من التذوق ونمطين من الحساسية ونمطين من الثقافة
أيضاً، ففي ظني ان الجدل الذي أثارته القصيدة الرقمية
العربية الأولى لشاعرها المبدع د. مشتاق عباس معين (تباريح
رقمية لسيرة بعضها ازرق)، ليس جدلاً فنياً إبداعياً أو
نقدياً منهجياً... انما هو نقد ثقافي صدمته وسيلة جديدة لم
يألفها في قراءة النص الشعري ومن أخطر المؤثرات على
الذائقة هو التعود والاعتياد والألفة، ومن جهة أخرى ان هذه
الصدمة لا مسوغ َحقيقيا
لها لأن الرقمية هي عنوان العصر ولغته ووسيلته وأسلوبه كما
ان الشفاهية والكتابة هي عنوان عصورها ولغتها وأسلوبها في
التفكير والإنتاج والثقافة وأراني في هذا أتفق مع رؤية (د.
ثائر العذاري)؛ في محاولة استكناه مكانة الأدب الرقمي في
السياق التاريخي لتطور الوعي الجمالي العربي لصياغة فهم
عملي له، ورؤية معقولة لمستقبله([1]).
نعم ان الحاجة إلى التأصيل الثقافي
للظاهرة الرقمية في مجال الأدب والنقد أراها أكثر جدوى
واحتياجاً من لدن جمهور المتلقين حتى الشباب منهم... لأن
الذائقة اشتغلت في فضاء الورقة المكتوبة واي خروج عن
حدودها وسطورها الأفقية المعتدلة جداً لا يمكن ان تتقبله
الذائقة لان النص هنا (المكتوب ورقياً) يشكل نقطة الصفر في
الانطلاق للفهم والتذوق والتخيّل عبر الذهن وبفعل التخييل
لا ان يتم على شاشة تستعمل وسائط متعددة Multimediaتتعاشق
فيها الصورة واللوحة والألوان والموسيقى والروابط والأشرطة
العابرة في عملية تراسلية مدهشة تكسر - ليس أفق التوقع عند
(ياوس) فقط- بل يافوخ التذوق العربي بنمطيته الورقية.
وأنا أتحرك في أفق الأدبية الرقمية
ثقافياً، وفي محاولة لقراءة الوعي العربي إزاء القادم
الجديد... صادفني في غير موضع ومصدر ملامح أعدّها تبشيرية
أو إرهاصات سينطق بها الزمن القادم واقعاً ملموساً وقد
يؤخذ عليّ في ذلك انتصاري للمنجز الرقمي ودهشتي به ورغبتي
أن أكون حاضرة عصري ولست ضمن جوقة الفرجة حسب... من هذه
الإرهاصات موقف (ادوارد سعيد) من المبدأ الحواري في النص
فيرى ان لكل نص عبقريته الخاصة، كما ان لكل اقليم جغرافي
في العالم عبقريته ففتح النص الأدبي على آفاق خارجية تجعل
الأدب عنصراً أو طرفاً أو مقوماً أو نسقاً من انساق
الثقافة المترامية الحدود القائمة على تعددية حوارية هائلة
من حيث التنوع في الأشكال والروافد والأنواع ومن حيث
الانفتاح والمرونة والقابلية على التفاعل والتخالط
والتشارك([2])،
علماً ان الكلام هنا لا يخص (الرقمية) بشيء وانما علاقة
النص الأدبي بالثقافة القائمة وهو محور نقاشنا المنهجي
الذي أطمح فيه إلى فتح أبواب للحوار واعادة النظر في
الكثير من المسلّمات الأدبية والأصنام النقدية والأحكام
الصارمة الباترة الهادرة التي ترسخت لها قدسية لا سماوية،
وانما القدم الزمني منحها هذا الثبات والرسوخ والتقليد.
تناص الأجناس
والفنون:
ان النظر في الأدبية الرقمية يمثل
قراءة الذات في منظور الآخر إعادة تقييم لمحتويات الثقافة
وثوابتها القارّة ومنها (نظرية الأنواع الأدبية) أو
الأجناس الأدبية Poetic genres
وكيفيات تعاطي القصيدة الرقمية مع هذه الحدود الفنية
والأسلوبية والبنائية والشكلية للأنواع الأدبية والفنون
منذ (ارسطو) وحتى عصرنا الحالي عن الخصائص المائزة للأنواع
الأدبية على فرض وجود فواصل وحدود جامعة مانعة بين الأنواع
الأدبية والفنية بينما نجد (الأدبية الرقمية) تقترح
اندماجاً وتفاعلاً بين النص الأدبي واللوحة أو المنحوتة
والموسيقى المصاحبة لكل نص والتقنية الحاسوبية... فهل
نظرية الأنواع الأدبية خطأ؟ أم القصيدة الرقمية ابن عاق
لذويه تساوت عنده القمم جامعاً الفاكهة كلها في سلةٍ واحدة
وعلى (المتذوق) ان يتذوق..؟ اقرأ في هذه المسألة رأياً
ثورياً!! للدكتور الناقد ثائر العذاري يقرر فيه ان فكرة
الفصل بين الأنواع فكرة تعسفية فلا وجود لنوع نقي فنشأت
الحاجة إلى صياغة جديدة لتفريخ الأنواع الأدبية لتسمية ما
يصعب تسميته الآن مثل تسميات (النص) أو (نصوص عابرة
للأجناس)([3])،
أرى ان ما أصاب تقرير الأنواع الأدبية أصاب علم البلاغة
بمعياريته المتداولة قبل الفتوحات الأسلوبية وما أنتجته من
رؤى وصفية تشمل مستويات الأسلوب الصوتية والتركيبية
والدلالية، وغير ذلك من قضايا الأدب والنقد، فلقد تداخلت
الأنواع فيما بينها فكما ان صورة العصر أفرزت أغنية الفديو
كليب الذي يشتمل على الغناء (وهو نص أو قصيدة مغناة)
والتمثيل والرقص وتقنيات التصوير، وكم قاطعه من المطربين
الكبار لكنهم أذعنوا فيما بعد للغة العصر وطريقته في
الإيصال حيث ارتبطت الصورة السمعية بالبصرية والحركية
والتقنية الالكترونية فما عاد المطرب مطرباً فقط فقد كان
ينتصب باعتدال أمام ميكرفون ليؤدي أغنية بكل أناقة واتزان
على ربع متر مكعب يقف عليه ولا يجتازه إلاّ لضرورات
قاهرة!!! وهكذا نمط الأدب الالكتروني في محاكاته صورة عصره
وزمانه وذوق ناسه أو ممن امتلكوا ادارة الذائقة الفنية
والجمالية وصناعتها في زمن العولمة.. فالأديب الآن يمتلك
مهارات الفنان التشكيلي والموسيقار والمصور والملحن ومهندس
الحاسوب فتسهم الصورة والموسيقى في استباق الحدث الشعري
(اللفظي) وخلق الجو النفسي الخاص الذي تحدثه عادة الفنون
الجميلة وبخاصة (الموسيقى) فهي تنطق لغة خاصة تهنئ ذائقة
المتلقي للحدث القادم ليشتغل الفعل الذهني والتخييلي في
أقصى درجاته التأويلية فـ(بيتهوفن) مثلاً في (سمفونية
القدر) يبدأ بضربات طبل متسارعة قوية (دادا دااام...)
تذكرنا بحتمية القدر في مواجهة الإنسان وعجز الإنسان عن
الوقوف أمامه أو تغيير مساره فهذه الحتمية المرعبة مثلتها
الطبول القوية المتسارعة إذ ان بيتهوفن يذكر انه يشير إلى
(القدر) حين يستعمل الآلات النحاسية، بينما يحاول تجسيد
(الإنسان) من خلال الآلات الوترية والنفخية الهوائية، ولقد
تطرقت إلى سمفونية (القدر) تحديداً لان بيتهوفن فيها أحدث
هذا التعانق الجليل بين الموسيقى والنص الشعري حين اختار
قصيدة للشاعر الألماني (شيلر) تغنيها جماعة (الكورال)
ونصها بالعربية([4]):
[أيها الصحاب اتركوا الحزن جانباً
ولننشد معاً أغنية الفرح والإخاء
ولنذهب معاً لنحميك أيها الفرح
هيا يا صحاب انسوا أشجانكم
وسيروا مبتهجين كالكواكب المشرقة
التي سيرها الله في الفضاء
اركعوا أيها الملايين لربكم خالق
البشر وابتهلوا إليه في سمواته
واعبدوه...]
فإرتباط الموسيقى بالشعر وعملية
الانتقاء المرهقة في تناسب النغم مع الكلمة لها أكثر من
دالة وأهمية في تسبيب العلاقة بينهما، علماً ان الموسيقى
ارتبطت بالتمثيل والفن التشكيلي والشعر في معظم عصور تطور
فن الموسيقى العالمية إلى ان نصل إلى عصر (الموسيقى
الالكترونية) في القرن العشرين وكيف يمكن ان تحل الآلة
المبرمجة محل العازف في عزف أي مقطوعة وبأي آلة موسيقية
شئت بعد التطور الهائل لتقنيات صناعة الآلات الموسيقية
وبرمجتها.. ولكن حين نتساءل عن مستوى الأداء وروحية
الإبداع، والقيمة الإنسانية الانفعالية.. فان مهارة أصابع
الإنسان/ الفنان لا ترقى إليها أية آلة مهما كانت درجة
تقانتها وضبطها وجودة صنعها... على الرغم من إننا هنا لسنا
بصدد إصدار حكم في الأفضلية بين الموسيقى الإنسانية
والموسيقى الالكترونية فكلاهما صنع الإنسان... وإنما وكدنا
هنا -ومثالنا التطبيقي هو قصيدة (تباريح رقمية لسيرة بعضها
أزرق)- إدراك الأثر الجمالي للموسيقى في خطاب الأدب الرقمي
وبخاصة في أطروحة (الخيال الكامل) ذلك المطمح الفاعل في
ذهنية القارئ الانموذجي الذي يستشعر بحواسه مالا يستشعره
الآخرون، حيث ثنائية (العادة والمدرك) هل يمكن ان نقرأ
باللحن والصورة نيابة عن الحرف؟ وهل يمكن ان نقرأ بالثلاثة
معاً؟([5])
فلحاسة السمع عند (ت. س. اليوت) إدراك معرفي يتذوق من
خلاله إيقاعات الوجود وتناغمات الضد والند في كل ما يحيط
بنا عبر (الخيال السمعي)([6])
فنحن حين نقرأ النص الرقمي متشاركاً مع مقطوعات
موسيقية محلية وعالمية كمعزوفة فيلم (تيتانك) أو الموسيقى
التصويرية لفيلم (الرسالة) أو موسيقى الأغنية المعروفة
عراقياً (موطني موطني) وغيرها من المعزوفات التي تقاسمت
أفق التوصيل الجمالي للعلامة اللغوية (النص) الذي ورد
بصورة مقاطع أو مقطوعات عدا قصيدة (يعقوب) التي تعد الأطول
بينها.. مع تنوع في الدلالات الشعرية التي يحتمل كتابتها
في أكثر من وقت ومناسبة إلا ان هاجساً يستشعره القارئ ان
رابطاً دلالياً رهيفاً يلتزم هذه النصوص متمحوراً حول
تراجيديا الحياة العراقية والألم العراقي والجراح العراقية
الجليلة... لم يذكرها الشاعر (د. مشتاق عباس) بالنص وانما
احترم جمهور التلقي العريض ان جعل كل صاحب مأساة يقرأ
مأساته في (التباريح) فهي تباريح الإنسان المعاصر المحاصر
المكابد النبيل، الجميل، الأصيل...
انّ حضور هذه التوليفة التناصية في آن
معاً بين النص واللوحة والموسيقى والتقانة والألوان
والحركة... يضع المتلقي في تحد جمالي ازاء عملية التلقي
لهذا الكون النصي المتعدد الذي لا يفتقد غير صوت الإنسان
وتظهر لغته وموسيقاه ورسمه وبراعته الالكترونية... بعد ان
كان (الإنشاد) يمثل ركيزة مهمة في (عرض) النص في عصر
الشفاهية ما قبل التدوين، فصار الشعر العربي وفي غالبيته
ارتجال مرتبطاً بالإنشاد فكان الشاعر (يُمثل) نصه يعتلي
ربوة من الأرض ويحرك يديه ويلون صوته ويعيد هنا وينبر هناك
موصلاً نصه إلى متلقيه عبر هذه التقنيات الإيحائية، لذا عد
الباحث (عبد العزيز إبراهيم) ان شعر تلك المرحلة يصح ان
نطلق عليه الشعر الجماهيري، بعكس شعر الحداثة الذي قطع
الصلة مع متلقيه وجمهوره - حتى المثقفين منهم- فما عاد
الجمهور يحس بجمال الشعر([7])،
ان الوقوف عند هذا الرأي به حاجة إلى تأمل إذ لم يكن مقياس
جماهيرية الشعر هو الإنشاد انما كان الإنشاد هو صورة تقديم
الأدب إلى المتلقي فلو توافرت صيغة أخرى لقدم بها... وقد
تكون المشكلة في المتلقي الحديث إزاء شعر الحداثة وليس في
الشعر ذاته... فالمتلقي إذا كان - في مسألة التذوق
الجمالي- ازدواجي النظر وغائب الهوية أو تكاد بالتأكيد لن
يتجاوب مع معطيات عصره الراهن ويظل الحاضر بذائقة الماضي
متشبثاً بماضٍ ذهبي يراه هو وحده... لقد كان العربي في
عصور الشفاهية والارتجال يدرك الأشياء والأخلاق والجمال
والقبح والمعرفة والفكر والعاطفة عبر اللغة التي يتقن
فنّها فكانت (اللغة) هي الصورة والموسيقى والصوت واللون
والحركة فلذلك بها عبر وقال وأنشد وأجاد. ألا تتغير هذه
الدوال بتغير مفردات الواقع ومعطيات الراهن؟ وهل كان
الأقدمون أفضل منا في التعاطي مع حداثات عصورهم، وتخوفنا
نحن من التواصل مع حداثة عصرنا..؟
أتصور إن الإشكالية الرقمية في الأدب
الالكتروني المعاصر إشكالية فكرية هوياتية بالدرجة الأولى
ذات بُعد ثقافي يرتبط علائقياً بالأنساق الثقافية القارّة
في الذهنية الجمعية للمتلقي العربي حتى اتهم من يتعاطى مع
الجديد الرقمي انه متابع موضات وهاوي صرعات تضيء اليوم
وتنطفئ غداً لتضيء غيرها وهكذا... الغريب في الأمر ان هذه
الإشكالية تنوجد في كل عصر ومكان في جدل العلاقة بين
التراث والمعاصرة والقديم والجديد علماً ان كل قديم هو
جديد عصره وهذا الجديد اليوم هو قديم لمن سيأتي بعدنا
وهكذا تسير تيارات الحياة والأفكار والتقنيات والمناهج.
إن ترافق الموسيقى والشعر يرفع مستوى
الاستجابة الجمالية للأثر الأدبي، فإذا ما اختلفت الخصائص
الموسيقية من تكرار وتنويع وألوان وسرعة أداء وحجم الصوت
والإيقاع تحدث اختلافاً في نمط الاستجابة فان (المعنى
الجوهري للموسيقى كامن في قدرتها على الوجود على هيئة
خصائص مبتدعة خارقة للطبيعة... لذا هي هبة من الآلهة ولغة
سحرية خاصة)([8])
من هنا يتضح الأثر السيكولوجي الكبير للموسيقى في الانجذاب
أو النفور، في التعاطف أو التناحر وتختلف الصيغة العصرية
للموسيقى في كل عصر وزمان ومكان ومجتمع، يرى (يوسف ميخائيل
اسعد) في قراءته الطريفة في سيكولوجية الإبداع في الفن
والأدب، ان الجانب الالكتروني أحد الوسائل الحضارية لايصال
الأدب كالتسجيلات الصوتية والطباعة الكمبيوترية السريعة([9])،
وقد (فطن القدماء من علماء ونقاد وشعراء إلى أثر هذا
الامتزاج العجيب بين الشعر والموسيقى، وأحسوا بما يولده
الصوت الموسيقي من أثر وما يبعثه من متعة وانتباه)([10])
لذا فعلاً يمكن (القراءة بالأذن والعين) كذلك كما يقول (د.
عبد الواحد لؤلؤة واصفاً صنع (أسعد محمد علي) في كتابه
(بين الأدب والموسيقى)([11])
المكرس لتحقيق فرضية جميلة تتمثل في إمكانية الفن الموسيقي
عبر العصور في إنارة النص الأدبي والمعرفة بالموسيقى أكبر
معين على تذوق العمل الموسيقي وفيما بعد قراءة هذا الإيقاع
الموسيقي في المنجزات الأدبية كالقصة والرواية والمسرحية
والملاحم وغيرها، فالذي يحدث في الأدب الرقمي قريب من عمل
(الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات وسائر فنون
الدراما، فالمؤلف الموسيقي لا يؤلف شيئاً قبل قراءة (ورق)
العمل الدرامي ويفهمه وينفعل به ويتذوقه تذوقاً عالياً لان
(الأدب لغة ولها أبجدية والموسيقى لغة أخرى ولها أبجديتها
فحينما تتعاشقان لابد ان يتوافر الحس الفني العالي لذلك
خلدت أعمال ونُسيت أخرى... ففي لغة السينما تدخل الموسيقى
عنصراً مهماً وداعماً أساسياً في نمو الحدث الدرامي
والرؤية الإخراجية للعمل في علاقة النص بالموسيقى وحركة
الكاميرا والحوار والصورة... فمن دون هذه (التناصية) بين
هذه الأجناس والفنون لا ينتج الفن السابع خصوصيته العصرية
المائزة ولاسيَّما استخدامه للتقانات الالكترونية الحديثة
التي تصل براعتها حد الدهشة والابهار في اقناع المتلقي بما
يرى ويسمع ويتفاعل.
*الموسيقى والنص في
النقد الثقافي المقارن :
إن الإيقونة الموسيقية في القصيدة
الرقمية المعاصرة دالُ أساس في فرضية الأدب الالكتروني وقد
قلت في صفحات سابقة ان الغائب الوحيد في القصيدة الرقمية
هو صوت الإنسان ناطقاً باللغة التي أنتجتها، وانما أصبحت
اللغة تنطق عنه والموسيقى تشير إلى إيماءات اللغة والصورة
تفسّر غامضاً في النص أو تكمل تفاصيل المشهد الجمالي
المتنوع للفنون داخل منظومة النص الرقمي التي تشتغل على
تشغيل جميع الحواس، الإنسانية في استقبال الواقعة الجمالية
الإبداعية، على النحو ذاته الذي تتحرك فيه الفنون في يومنا
المعاصر من حيث التشارك والتفاعل والتنافذ والتداخل بين
الأجناس والآداب والفنون حتى تميعت الحدود المائزة بين فن
وفن وأدب ونوع أدبي آخر، من هنا تكون القصيدة الرقمية صورة
طبيعية لذائقة العصر وأسلوبه الدارج وسمته الحضارية التي
بها يوسم ويوصف وهو عصر الالكترونيات والاتصالات والسرعة
الضوئية حتى لقد تشابهت الأذواق واختلطت الرغائب في زمن
العولمة حيث توافرت كل الثقافات في شاشة واحدة وما تنتجه
شركة اليوم يصل في اليوم ذاته إلى مسمع ومرأى كل بشر في
هذه المعمورة حتى صار الشاب الأوربي تعجبه الموسيقى
الشرقية والرقص الشرقي، والشاب العربي تجلو له الأغاني
والمعزوفات الأجنبية حتى وان لم يفهم ما يقال فيها،
وبالتأكيد هذه العولمة الحتميّة تفرض وجودها في سياق
الحياة المعاصرة الأمر الذي يخشاه أصحاب الرؤى الهوياتية
في الشرق والغرب على حد سواء.
أثبتت الموسيقى انها لغة إنسانية أخرى
غير لغة الكلمات ومظهر مهم من مظاهر العولمة، لتجاوزها
الحدود وتفاعلها مع جميع البشر من دون تمييز لتكوين خبرة
جمالية لها أثرها الثقافي والتربوي والعلاجي والامتاعي في
جميع العصور والأمكنة([12])
فأنتج العصر (الموسيقى الالكترونية) التي تلغي تقريباً
جميع الآلات الموسيقية وبامكانها تأليف أي مقطوعة وطبع
النوتة الموسيقية الخاصة بها وتكون جاهزة للتنفيذ وفق
أنظمة وبرامج موسيقية تعمل على نظام (الوندوز) و(انكور)
و(كوبيس) من حيث هندسة الصوت والتسجيل ويبقى للمؤلف
الموسيقي أو الملحن حرية التصرف بالموسيقى واللحن والنوتة
حتى الإضافة والتعديل بسهولة بالغة، هذا من حيث التأليف
الموسيقي الجديد أما في القصيدة الرقمية فيستعين الشاعر
ومهندس الحاسوب معه، بمعزوفات جاهزة مشهورة معروفة محلياً
أو عالمياً لتوظف توظيفاً نسقياً يتشارك دوال البث الدلالي
مع اللغة (النص الشعري أو النثري والصورة والتكنيك
الالكتروني).
وليس بمستغرب أو بجديد ان يشترك
الإبداع الفني والصناعة بإنتاج الجمال، فالفنان عند علماء
الجمال المعاصرين (صانعً) قبل كل شيء وعليه لا توجد تلك
الهوة الفاصلة المفترضة بين (العمل الفني) و(العمل
الصناعي)([13])
والذي أحدث هذه الهوة - بنظري- تلك الأوهام والسرود التي
ملأت بطون الكتب عن الإلهام وشياطين الشعراء ووادي عبقر
والجن الذي يوحون للشعراء... الخ. فصار الفنان الأديب يرى
مالا يرى غيره، ويتنبأ بالقادم ويعبر عمّا يعجز غيره عن
التعبير عنه... لكن حقيقة الأمر إن الموهبة والاستعداد
الفطري وقوة الخيال غير كافية لولادة مبدع أو عبقرية فنان
ما لم تترافق معها التجربة والمران والمهارة والتواصل
والتطوير مما يجعل الفن والإبداع يتشكل من رافدين:
الاستعداد الفطري، والجهد والاحتراف والتركيز وتطوير
الأدوات، والدليل على ذلك ان عدداً لا يُحصى من المواهب
والاستعدادات تبزغ في مختلف الآداب والفنون والمعارف تموت
بعد مدة حين ينصرف الجهد إلى غيرها فتضمحل وتضمر حتى تموت
وقد ينطبق ذلك كثيراً على النساء أكثر من الرجال... فكم
طمرت البيوت والمطابخ والمشكلات النفسية والاجتماعية
اللعينة، مواهب وقدرات كان يمكن - لو انها كانت وتطورت-
لها ان تغير وجه العالم، وتضيف جديداً، أو تبتكر وسائل
مغايرة للنظر والتفكير، وفي الجانب الآخر ترى أناساً
متواضعي الموهبة والملكات التخييلية لكنهم اجتهدوا وثابروا
ومارسوا ووضعوا مواهبهم المتواضعة موضع التنفيذ العملي
ونظروا في سير الناجحين قبلهم فنجحوا... فالرابط اذن بين
الفن والصناعة طبيعي وجدلي ولكن الرؤية الثقافية للمجتمع
غير قادرة على جمع ما تظنه متناقضين فتدرك الأشياء منفصلة
أسهل عليها وأيسر وذلك ناتج من حيرتها في تفسير الإبداعات
والبحث في مصدرها...
من هنا فإن (تصنيع) القصيدة في الحاسوب
والتعامل معها تقنياً ليس عيباً في العمل الفني فنحن نقرأ
الشعر والآداب ورقياً وهي مطبوعة طباعة أنيقة ومزخرفة
ومزينة وملونة في كتاب صنعت أوراقه في معمل والأحبار
والألوان بالآلات من الحديد والصلب وتعمل بالكهرباء...
ورقمياً يُستعمل الحاسوب والهندسة العصرية وتقاناتها
المتطورة إذ هي صورة العصر وعنوان امتيازه، وقد عقدت (د.
فاطمة البريكي) في كتابها المهم (مدخل إلى الأدب التفاعلي)
(14) مقارنة بين (المبدع الورقي) و(المبدع
الالكتروني)، وما كنا ندرك مميزات المبدع الورقي ما لم
يأتي نمط آخر يطرح خيارات أخرى لإيصال التجربة الأدبية،
فالأول لا يصل إلى متلقيه إلاّ بحضور الكتاب أما الثاني
فالمساحات مفتوحة على الشبكة المعلوماتية لا تحدها حدود
فما يُنتج اليوم يُقرأ اليوم، فضلاً عن سمة (التفاعلية) في
الأدب الالكتروني وبخاصة في الرواية التفاعلية، فتنتفي
سلبية المتلقي إلى الصفة التفاعلية والمشاركة وهذا ملمح من
ملامح الديمقراطية والحوارية في الفنون والآداب.
الإحالات:
(1) - يُنظر الادب الرقمي و الوعي
الجمالي العربي / د. ثائر العذاري، موقع النخلة
والجيران:www.alnakhla.com
وكتاب المؤلف ( الشفاهية و ثقافة الاستبداد) على الموقع :
www.almothaqaf.com.
(2) - ينظر قراءة د. بشرى موسى صالح
لمفهوم القراءة الطباقية عند ادوارد سعيد في كتابه (
الثقافة و الامبريالية) / نظرية التلقي اصول و تطبيقات /
دار الشؤن الثقافية، بغداد 1999 ص 60.
( 3) - ينظر الادب الرقمي و الوعي
الجمالي العربي / الموقع السابق
(4) - ينظر تاريخ الموسيقى العالمية /
ثيودورم فيني / ترجمة: سمحة الخولي و محمد جمال عبد
الرحيم.
(5) - ينظر بيان ( من يسبح في الفضاء
الشبكي مقاربات المجازية الرقمية) د. مشتاق عباس معن / نشر
الكتروني
(6) - ينظر نفسه / الصورة الشعرية و
الفيلم / ص 112
(7) - ينظر شعرية الحداثة / عبد العزيز
ابراهيم / اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2005 ص 162 -163
(8) - سيكلوجية فنون الاداء / جلين
ويلبسون،تر: شاكر عبد الحميد، عالم المعرفة الكويت 2000، ص
282 - 283
(9) - سيكولوجية الابداع في الفن و
الادب / الهيئة المصرية للكتاب / 1984 ص 185 - 192
( 10) - عضوية الموسيقى في النص الشعري
/ عبد الفتاح صالح نافع / مكتبة المنار ط 1، 1985 ص 19
(11) - بين الادب و الموسيقى / دار
آفاق عربية / العراق 1985، ص 5
(12) - ينظر مدخل في النقد الثقافي
المقارن / د. حفناوي بعلي، الدار العربية للعلوم ط1، 2007
ص 321 -322 و سوسيولوجيا الفن طرق للرؤية / تر: ليلى
الموسوي وآخرون / عالم المعرفة الكويت، 2007 ص 268 و ما
بعدها
(13) - ينظر مشكلة الفن / زكريا
ابراهيم، مكتبة مصر د.ت، ص75 و ما بعدها
( 14) - ينظر مدخل الى الادب التفاعلي
/ د. فاطمة البريكي، المركز الثقافي العربي / ط1، 2006 ص
126 و ما بعدها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلى الصفحة |