|
دراسات
تطور العقل الديني العراقي
باسم محمد حبيب ـ كاتب عراقي

نشأ العقل الديني العراقي عبر صيرورة
طويلة امتدت من أقدم العصور والى مراحل متأخرة حيث تخلف
خلال هذه المسيرة الطويلة الكثير من الطقوس والشعائر
والعادات لتمتزج مع أديان أخرى وبالتالي يمكننا أن نشير
إلى أن الأديان العراقية الموجودة حاليا هي نتاج لصيرورة
واحدة شكلت معالم عقل ديني واحد يختلف بالشكل ويتشابه في
الكثير من العناصر التي تشكل ما يمكن أن نعده جوهر تلك
الديانات ومن اجل فهم صيرورة هذا العقل لابد لنا من الرجوع
إلى الوراء وقراءة تاريخ هذه الديانات ولو بشكل موجز :
(1)الديانة ( أو
شبه الديانة) الطوطمية :
وهذه (الديانة) البدائية قد واكبت
مرحلة الصيد والالتقاط حيث كان الغذاء متيسرا ويعتمد على
الثمار والنباتات البرية والحيوانات الصغيرة وبالتالي كان
هم الإنسان هو التخلص من المخاطر التي تهدد حياته سواء من
البيئة التي يعيش فيها بما فيها من حيوانات مفترسة ومظاهر
طبيعية متنوعة أو من أبناء جلدته المشاكسين والفضوليين
فبدا يعتمد إضافة إلى قدراته الجسدية والعضلية على السحر
الذي يحاول به التأثير في الأشياء من حوله لتكون طوع بنانه
أو تكفيه شرها وفي مرحلة لاحقة ربط نفسه بشيء ما ليكون
هذا الشيء بمثابة الحليف أو المعين الذي يعتمد عليه في
درء المخاطر كأن يكون هذا الشيء حيوانا أو نباتا أو جمادا
حيث يصنع له رمزا ويبقيه على مقربة منه من اجل أن يحفظه
أو يحميه ولذلك كان الإنسان آنذاك مسلحا بالرقي والتعاويذ
والتمائم التي تساعده في حماية نفسه من المخاطر وإبعاد
الشر عنه ونظرا لتحول الإنسان من الحياة الوحشية إلى
الحياة العائلية في فترة من الفترات فقد استمر معه هذا
التقليد وأصبح لكل عائلة أو جماعة طوطم حامي كأن يكون
ثعلبا أو سنجابا أو صخرة أو نخلة إلى أخره وفقاً لما
موجود في البيئة التي يعيش فيها الإنسان ويعتقد أن النخلة
وشجرة النبق والطين من الأشياء التي أكثر العراقيون
القدماء من اعتمادها كطواطم في تلك الفترة القديمة ولكن
هذه ( الديانة ) البدائية شابها التغيير في وقت ما حينما
برز زعماء الجماعات أو حكماؤهم نتيجة لدورهم المهم في حياة
الجماعة فقد جرى تقديسهم لينشأ ما يعرف بعبادة الأسلاف (
لايمكننا أن نجزم بوجود هذه الظاهرة في أي فترة من تاريخ
العراق القديم المبحوث من قبل المؤرخين وان لاننكر احتمال
ظهورها في فترة ما ثم ربما خبت بعد ذلك ماجعل وجودها
ضئيلا أو معدوما في ديانات العراق التالية ) وبعد ظهور
الديانة المنظمة في فترة لاحقة كتطوير لـ ( الديانة )
الطوطمية تخلفت بعض العادات والطقوس الطوطمية التي بقيت
جزءًا مهماً من موروث العقل الديني ( العراقي بشكل خاص )
إلى وقتنا الحاضر كالحروز والتمائم والأختام والأحجار
والعلك والتربة ورمي الماء خلف المسافر والراية ( البيرق
) وشرب الماء المخلوط بالطين ( الجروة ) .. الخ .
(2)الديانة
الرافدية ( نسبة الى وادي الرافدين ) :
وهي من أقدم الديانات في العالم تعود
جذورها إلى الألف الثامنة أو التاسعة قبل الميلاد مرت على
ما يرجح بعدة مراحل أولها العبادة الأنثوية ( عبادة الآلهة
الأم ) التي واكبت مرحلة اكتشاف الزراعة أي ارتبطت
بالحاجة إلى توفير الرزق وإدامة الخير أي اظافت وظيفة
جديدة غير وظيفة الحماية المرتبطة بفكرة الطوطم البدائية
وربما نستطيع أن نحيل إلى هذه الفترة بعض الأساطير
والمعتقدات الدينية الرافدينية ك قصة نزول اينانا(عشتار)
إلى العالم الأسفل وفكرة خلق الإنسان بطريقة الزرع تشبيها
بعملية الزراعة ولعل هذا مما يشير إلى هيمنة المرأة في
الحياة الاجتماعية حيث كانت تمثل الخصب والنماء وهي التي
تمارس مختلف الإعمال وتتزعم العائلة أو المجموعة ومن
مخلفات هذه الفترة وجود منصب الكاهنة العليا لمعبد (أي ننا
) في أوروك وأخيرا حصل تطور كبير نتج عنه الإطاحة برمز
الإلوهية الأنثوي الذي ربما نتج بتأثير غزو خارجي ربما من
شعب جبلي أو بدوي أو أن ظروف الإنتاج الجديدة فرضت ذلك
لاسيما بعد بروز الحاجة لتأسيس أولى النظم السياسية ويبدو
إنه جرى توثيق أصداء ذلك من خلال قصة الخليقة البابلية
التي أشارت إلى الإطاحة بحكم الإلهة تيامة وتحول السلطة
إلى الثالوث المقدس ( انو , انليل , أيا ) وعلى إثرها
أو في التزامن معها شاعت العبادة الثلاثية في أكثر من
مكان من العالم القديم وفي هذه الفترة أيضا بدأ عهد جديد
تمثل ببروز الصناعة البدائية صناعة
جرار الفخار والأواني والحلي والمصوغات
المعدنية والتماثيل ويبدو إن هذا التطور هو الذي طرح فكرة
الخلق فأصبح الإله لا يمتاز بصفة الحماية والمعاونة فقط بل
هو الخالق والراعي أيضا لكن الديانة الرافدية اتسمت بسمات
أخرى أهمها إيمانها بإن كل شيء آيل إلى الفناء حتى الإلهة
التي نتصورها خالدة هي على وفق المفهوم الرافدي ليست
خالدة تماما لأنها مهددة بالفناء القادم من قوى الفوضى
المتربصة والمجمدة لأن الإله ( ابسو) زوج تيامة لم يمت بل
جرى تخديره ثم سجنه تحت طبقات الأرض ليمثل المياه الجوفية
وبالتالي بإمكان هذه القوى العودة لحكم الكون من جديد حيث
مازال ( على وفق المعتقد القديم ) زئير ابسو يخرج من
الأعماق على شكل زلازل واهتزازات أرضية ومن الدلائل على
عدم خلود الآلهة الرافدية وجود آلهة موتى في الموروث
الرافدي ولذلك فالإله الرافدي لا يستطيع ضمان سلامتك على
طول الخط فهناك شيء يبقى عصيا عليه ولذا فالإنسان لايستطيع
أن يضمن جريان الأمور بشكل طبيعي فان امن اله ما لن
يستطيع أن يضمن جمع الآلهة التي بمقدورها جميعا وليس إلها
واحدا تقرير المصائر وإنه ضمن جمع الآلهة لن يستطيع أن
يضمن القوى المتربصة التي لاتخضع لقانون الكون ، هذا
الأمر جعل العراقي القديم لايؤمن بوجود حياة أخرى ( جنة
ونار ) ولا يقدس البشر أيا كانت وظيفتهم سواء أكانوا ملوكا
أم رجال دين ولايثق بمساعدة الآلهة بشكل كلي والموت
بالنسبة له هو نهاية حتمية ومطلقة يفنى بعده الجسد بتأثير
عوامل الطبيعة وتذهب الروح إلى ارض أللاعودة ( العالم
الأسفل) لتبقى هناك سجينة إلى الأبد ولم يتغير جوهر هذا
الدين طوال مسيرة حضارة وادي الرافدين وإن جرت بعض
التغييرات الشكلية بتأثير بعض الأقوام الوافدة ومن المؤكد
إن أول تأثير كان في مرحلة عصر فجر السلالات الأول من قبل
قوم قد يكونون من الوافدين آمنوا بعودة الجسد حيث تشير
المقبرة الملكية في أور إلى اعتقاد من هذا النوع لكن هذه
الجماعة سرعان ما تخلت عن اعتقادها بسرعة ولم نجد مثيلاً
له بعد ذلك ثم حصل تغيير آخر في عصر الدولة الأكدية حينما
ألَّه الملك نارام سن نفسه ربما بتأثير بعض الأقوام أو
البلدان التي أخضعها وقد أثار ذلك كهنة البلاد فأطاحوا به
من خلال ثورة عارمة أشار إلى أحداثها بعض النصوص
المسمارية وحصل مثل ذلك في عهد شولكي ثاني ملوك سلالة أور
الثالثة ولكن أهم تغيير هو الذي تمثل - من وجهة نظرنا -
بظهور التفريد الذي اخضع جميع الآلهة لسلطة إله واحد هو
الإله مردوخ اله مدينة بابل بعد أن استوت بابل عاصمة
لإمبراطورية ذات آلهة كثيرة فهو محاولة يراد بها دعم
السلطة السياسية أو هيمنة بابل على الأقاليم .ومن الجدير
بالذكر أن بعض المؤرخين يعدون التفريد العامل الأساس في
ظهور الديانة اليهودية حيث ناظر اليهود بين إلههم والإله
الأكبر وبين الملائكة والآلهة الأقل شأنا في الديانة
الرافدية .
أما مخلفات هذه الديانة في عقلنا
الديني فتتمثل ببعض الطقوس الحسينية أو الشيعية كإحياء
عاشوراء الذي يماثل إحياء العراقيين لعيد الاكيتو الذي
يستمر أحد عشر يوما وتلاوة قصة مصرع الحسين التي تماثل
تلاوة قصة الخليقة البابلية وتمثيل عرس القاسم الذي
يماثل طقس الزواج المقدس لدى العراقيين وفداء العباس لأخيه
الحسين وبكاء الأخير عليه الذي يماثل فداء انكيدو( أخ
جلجامش بالتبني بعد إعلان أم جلجامش أمومتها له ) لجلجامش
وجزع الأخير عليه ثم مفهوم التضحية الحسيني الذي اقرن بطقس
موت تموز وفرحة الزهراء التي تماثل فرحة اينانا ( عشتار أو
الزهرة ) بعودة تموز عند العراقيين القدماء هذا ناهيك عن
طقوس الحزن التي تماثل سمة الحزن لدى العراقيين القدماء
النابعة من حياتهم الصعبة ومعاناتهم المختلفة وخير مثال
على ذلك حزن اينانا ( عشتار ) على ثورها السماوي الذي قتله
جلجامش إذ جمعت المتبتلات وبغايا المعبد وأقامت مناحة على
فخذه الذي قذفه جلجامش عليها في سورة من غضبه .
ثم أعقب ذلك بوقت قصير مجيء الكيشيين
الهندو أوربيين كجزء من موجة شملت معظم أنحاء الشرق الأوسط
( الأدنى ) حيث استولوا على بابل وأسسوا فيها سلالة حاكمة
هي سلالة بابل الثالثة واعتنقوا ثقافة البلاد وديانتها
لكن من المرجح أن هذا الأمر لم يشمل جميع الكيشيين إذ بقي
بعضهم لاسيما رجال الدين على ديانتهم التي أخذت تتأثر
بالديانة الرافدية وربما هاجر بعضهم إلى فلسطين حيث نشروا
ديانتهم هناك بعد أن ضمنوها الكثير من القصص والأساطير
المتداولة ومما يبدو فأنهم كونوا شخصية إبراهيم من عدة
شخصيات منها على الأرجح شخصية راما التي أخذوها من موروث
الأقوام الهندو أوربية لاسيما قصة (الرامايانا) هذا أن
لم تكن هذه القصة قد انتقلت إلى الهند خلال مرحلة لاحقة
مثلما اخذوا أيضا مفهوم الجنة والنار وتقديس البشر
والإيمان بالخوارق والمعجزات وعمل المحارق ومفهوم الكتاب
المقدس .. الخ كذلك تتشابه قصة يوسف و زليخا التوراتية مع
قصة جلجامش واينانا ( عشتار ) حينما أغوته وأملته
بالسعادة والهناء فما كان منه إلاّ أن ردها و شتمها
الأمر الذي سبب له المتاعب كما حصل ليوسف أما شخصية موسى
فهي مكونة من قصص تعود لثلاث شخصيات الولادة تشبه قصة
سرجون الأكدي والهجرة من مصر مأخوذة من قصة سنوحي المصرية
وتسلم الرسالة تشبه قصة تسلم زرادشت للرسالة أما قصة
سليمان فربما أخذت بعض تفاصيلها من سيرة الملك الآشوري
شلمانصر ( لاحظ تشابه الإسم ) وربما مزجت أيضا بأساطير من
حضارات مختلفة أما قصة الخروج من مصر فربما لها علاقة
بخروج بقايا الهكسوس بعد فشل مشروع ديانة اخناتون الذي
يرجح انه تأثر بالتوحيد الهكسوسي وربما لم تقم الجماعة
اليهودية بكتابة سيرة ديانتها إلى أثناء السبي الآشوري
خلال القرن الثامن الميلادي حيث واكب ذلك على ما يبدو
عملية تدوين التراث العراقي التي قام بها بعض الملوك
الأشوريين وبالذات الملك آشور بانيبال باني مكتبة نينوى
المسمارية فأستفادوا منه في إعادة تدوين تراثهم وتعزيزه
بأفكار وقصص من تراث العراق القديم حيث استمر التدوين
اليهودي طوال العهد الكلداني التالي مع حصول سبيين
بابليين لاحقين لليهود بواسطة الملك نبوخذ نصر الثاني
وبعد مجيء الفرس وعودة أغلبية الجالية اليهودية إلى فلسطين
اخذوا معهم مادونوه عن تاريخهم بما في ذلك التوراة التي
ربما اقتبست ككتاب وليس كنص ديني مقدس من نموذج الكتاب
الأشوري الذي برز خلال هذه الفترة أما مخلفات هذه الديانة
في العقل الديني العراقي فهي متنوعة منها الاعتقاد
بالحياة الأخرى والحساب وتقديس البشر وإقامة المقامات لهم
على غرار ما يفعل اليهود .
(3)الديانة
الزرادشتية :
يرجح أن جوهر الديانة الزرادشتية كان
مختلفا قليلا عن جوهرها المعروف بدليل أن الأجزاء الأولى
من الافستا كتاب الزرادشتية المقدس لم تشر إلى العبادة
الثنائية ومن المحتمل أن هذه الديانة القديمة تشابه ديانة
الهندوس أي تؤمن بتعدد الآلهة لكن حصل تطور مهم خلال
الفترة الميدية يمكن أن يعزى لتأثر مجدد هذه الديانة
بالديانة العراقية لاسيما ثنائية ( النظام /الفوضى ) التي
تناظر ثنائية( الخير / الشر) الزرادشتية ومن المحتمل أيضا
على وفق ترجيحي إنّ اسم إله الخير ( اهوار مزدا ) مأخوذ
من عبارة ( اله مردوخ ) ، انظر التشابه بين الكلمتين حيث
واكب هذا التأثر تعرض الديانة الرافدية لخطر الإلغاء أو
التحجيم من خلال مشروع الملك البابلي الأخير( نابو نائيد )
الذي أراد تبني عبادة جديدة هي عبادة الإله سين لكي يتقرب
بها من الجزريين الذين يمثلون غالبية سكان الإمبراطورية
البابلية آنذاك لكن عمله هذا اغضب على مايبدو كهنة مردوخ
ما جعلهم يستعينون عليه بالملك كورش ملك فارس الذي ضم بابل
إلى مملكته وسمح لليهود بالعودة إلى فلسطين حاملين معهم
ديانتهم المرفدنة ( المعاد تدوينها على وفق التراث الرافدي
) وبتأثير الزرادشتية واليهودية أو ربما بقايا الديانة
الكيشية القديمة التي افترضنا أنها تمثل النسخة الأقدم من
اليهودية ظهرت ديانة الصابئة خلال هذه الفترة أو بعد ذلك
بقليل وربما آخذ هؤلاء معتقداتهم من الديانات الرافدية
واليهودية والزرادشتية بما في ذلك طقس التعميد ومفهوم
الكتاب المقدس وبعد أن هاجر عدد كبير منهم إلى الغرب تكون
من احتكاكهم باليهود هناك دين جديد هو الدين المسيحي الذي
حوى مفاهيم وقصص من عدة ديانات بل هناك من عدَّ المسيح
احد أتباع دين الصابئة ثم كون جماعته الخاصة بعد ذلك وربما
هاجر بعضهم (أي الصابئة) إلى مكة والمدينة من اجل التجارة
أو ربما برفقة الملك نابو نائيد الذي توغل في هذه الأنحاء
لأسباب مجهولة ربما لها علاقة بمشروعه الديني أو بضغط
الاقوام الفارسية الناشطة آنذاك حيث تشير بعض الآراء إلى
احتمال أن يكون (آل قصي) منهم أو ربما من اليهود المتعربين
وإن الكعبة هو معبدهم بدليل إطلاق مشركي قريش لفظة (
صبا ) على من يدخل في الدين الإسلامي ولم يقتصر الأمر على
هذا بل وجدنا تشابها بين المندى الصابئي ودار الندوة
القرشي وإن اختلفت الوظيفة كذلك قدس القرشيون الماء كما
فعل المندائيون في العراق بدليل تقديسهم لبئر زمزم اخذين
بالاعتبار احتمال أن يكون تقديسهم للماء نابعا من شحته في
الجزيرة العربية فيما تطرح المصادر محاججة مشركي مكة
الرسول بأفكار ذات صلة بالفكر الرافدي مثل قولهم ( من
يحيي العظام وهي رميم ؟ ) أو ( بعد أن نموت ونصبح عظاما
إإنا لمبعوثون ) وهو أمر ربما يدل على صلة عرقية أو ثقافية
ومن الدلائل أيضا وجود ارث توحيدي لدى ( إل قصي) على وفق
ماتشير اليه بعض الروايات وهو أرث يكاد يتناقض مع البيئة
الوثنية المحيطة هذا إن لم يكن ذلك الإرث من اختلاق الرواة
والمؤرخين في العصور التالية أما ابرز تأثير للزرادشتية
فقد تمثل بظهور طبقة السادة الذين يمثلون الأفراد
المنحدرون من أصل ديني زرادشتي إضافة إلى موروثنا
ومتخيلنا عن الشيطان والثنائية ومن المحتمل كذلك أن تكون
الدروشة وفكرة المنقذ والتصوف التي يزخر بها عقلنا الديني
من أصل زرادشتي أو هندو أوربي .
(4)الدين المسيحي
:
وقد دخل هذا الدين العراق عبر السبي
الفارسي المتكرر لسكان المناطق المسيحية في سوريا وآسيا
الصغرى وقد انتشرت هذه الديانة منذ وقت مبكر في شمال ووسط
العراق ولكنها لم تنجح كثيراً في جنوبه بسبب وجود بقايا
الإرث البابلي والدليل على ذلك انه لاتوجد أي آثار لكنائس
أو أديرة مسيحية في هذه المنطقة تعود لهذه الفترة ولم تشر
المصادر إلى شخصيات مسيحية تعود بأصولها إلى هذه المنطقة
التي من المحتمل توزع سكانها بين الديانات الرافدية
والصابئية واليهودية والمانوية والزرادشتية وقد تكون
الغلبة للديانة الرافدية لكونها من أصل عراقي ولها تأريخ
طويل في الوجود بالرغم من عدم وجود أدلة على ذلك لكن هذا
لم يمنع من حصول تأثيرات مصدرها التسريبات المسيحية أبرزها
ظهور المانوية التي أبانت عن تأثيرات زرادشتية ورافدية
ومسيحية مختلفة أما تأثر المسيحية فقد برز من خلال
استخدام الطقوس التموزية في البكاء على المسيح وإقامة
المواكب لأجله والأمر ذاته حصل بالنسبة للمانوية التي تعرض
نبيها ماني للصلب كذلك وربما نشأت هذه الطقوس محاكاة
للطقوس التموزية التي بقيت تمارس في بعض أقسام جنوب العراق
على الأغلب إلى قبيل الفتح الإسلامي ومن التأثيرات التي
يرجح أن لها علاقة بالديانتين المسيحية والمانوية عدد
الخلفاء أو الأئمة الذين قيل أن الرسول محمد أشار إلى
مجيئهم بعده وأصبحوا عصب المبدأ السياسي للمذاهب الإسلامية
.
(5)الدين الإسلامي
:
وقد انتشر مع الفتح العربي الإسلامي
وهو دين غالبية السكان في الوقت الحاضر و بالتالي دخلت
الكثير من مضامينه في بنية العقل الديني العراقي . إن
علينا أن ندرك أن مانعده بنية دينية هو في حقيقة الأمر
نتاج لصيرورة تأريخية ثقافية اجتماعية طويلة تمثل في
الواقع مسيرة حضارة العراق العريقة في القدم ولابد
بالتالي من أن نفرق بين الشكل الذي يمثل العنوان والتسمية
وبين المضمون الذي يمثل تلك الصيرورة مع الأخذ بالاعتبار
اختلاف المواضعة في داخل كل دين بين عناصر بنية الشكل
وعناصر بنية الموضوع التي تفرضها الظروف والأحوال .
ملاحظة
: لإن دراستي ليست عميقة أو معقدة وهي إيجاز لدراسات سابقة
لي فلم أجد ضرورة لإبراز الهوامش مع الإشارة إلى إني
اعتمدت في هذه الدراسة المتواضعة على مصادر عديدة أهمها
:
ـ طه باقر . مقدمة في تاريخ الحضارات
القديمة ج 1
ـ جان بوتيريو . بلاد الرافدين .
الكتابة ، العقل، الآلهة
ـ باسم محمد حبيب . نقد العقل العراقي
( مقالات )
ـ باسم محمد حبيب . إبراهيم الخليل بين
الروايات الدينية والتحليل العلمي
ـ رشيد الخيون . الأديان والمذاهب في
العراق
ـ جواد علي . تاريخ العرب في الإسلام
ـ رمضان عبده علي السيد . معالم تاريخ
مصر القديم
ـ طه باقر .ملحمة جلجامش
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلى الصفحة |