كتاب مترجم في حلقات

إينانا ملكة الارض والفردوس أسطورة بلاد مابين النهرين
دايان ولكشتاين – صموئيل نوح كريمر
ترجمة وتقديم د. شاكر الحاج مخلف
سلسلة الكتب المترجمة
الحلقة الرابعة

جلجامش تطابق الرؤيا السومرية مع الحلم المعاصر

الملحمة السومرية الخالدة جلجامش اول عمل ادبي مكتمل يكشف عن تفاصيل حضارة راقية عندما رفع الستار عن حوادثها وفصولها وقيمها الفكرية والوعيظة تجاوزت حدود سومر الى فضاءات قريبة وبعيدة اعصار مهذب موشى بحلم الخلاص من الكابوس المرعب ينتشر في المدن والحيوات الاخرى حلما سرمديا لاتشبع منه العقول يعاد ويعاد والتأويلات تتوالى وعندما ضربت امواج ذلك الحلم السومري العراقي الجميل شطآن العالم المعاصر استفزت البشرية ورأت ضالتها امام بوابات ذاك الحلم الجلجامشي الذي صار مدخلا وسراجا لفهم تفاصيل تلك الحضارة التي سادت في اوروك ثم بادت وتركت المعاني الكبيرة . هذا الاثر المهم  يوجد في اغلب مكتبات العالم المخصصة للمطالعة كما يحتل مكانا مرموقا لدى الادباء والشعراء وكذلك من انفس النفائس ترجم الى اغلب اللغات التي تتداولها شعوب الارض البعض يضع هذه الملحمة بالمكانة نفسها للكتب السماوية ملحمة الينابيع العذبة تجاوزت حدود الزمن وعبرت المفازات وظلت حية في اروقة الجامعات وعلى مقاعد الدراسة نقطة دالة او وشم كبير في جبين حضارة كانت هي البئر الاولى التي فاض ماؤها على اديم الارض حتى صار طوفانا رافق اوتونابشتم وبين الطوفان واستمرار الحياة الى ما لا نهاية تكمن معادلة ملحمة جلجامش الذي لايمثل ملكا سومريا فحسب بل هو شعاع يدق ابواب المستقبل لكي يحل المشكل الانساني المستعصي ويمنحنا الخلود الابدي .

عقد المقارنات

بهدف الشتويش والتقليل من دلالات ومنجزات الحضارة السومرية عمد بعض الكتاب العرب الى مقارنة تلك الملحمة الاصيلة مع ملاحم واساطير منقولة عنها وتحاول محاكاتها مع بعض التغيرات اولئك الكتاب اذا قرأت كتبهم تكتشف جهلهم بمجرد الاطلاع على اسماء القادة والملوك والمواقع التابعة للحضارة الرافدية والمدونة خطأً لديهم ، تتغير الاسماء والمعاني والمواقع والتفاصيل ، تلك الاقلام استغلت حالة الفوضى التي يمر بها العراق ...ومع اني مطمئن تماما الى عدم وجود اسطورة او ملحمة تنافس جلجامش او تشكل مصدرا أعتمدته المضامين والتشكيلات الصورية المرتبطة بالقوة والعنفوان والهدف النبيل اتوقف عند ذاك الذي يثار حاليا وأدخل ساحة المقارنة معتمدا على دراسة كل تلك الاساطير التي جاءت بعد جلجامش واستند الى مصادرها وليس الى تلك الكتابات الباهتة التي تروجها عقول مؤد لجة لغايات رخيصة وسنرى الفروق بين جلجامش وثيسيوس او اخيل هرقل او ذي القرنين او برومثيوس.

جلجامش السومري

يرى عالم الحضارة الرافدية الاستاذ طه باقر في كتابه المعنون تأريخ العراق القديم ان مدينة سومر هي اول مدينة حقيقية في التاريخ ويثبت العالم الامريكي صموئيل نوح كريمر في كتابه الموسوم من الواح سومر(1) ان تنقيب البعثات الاثرية في وادي الرافدين اكد بوضوح لايقبل الشك من خلال التكوينات الاركيولوجية ان اوروك كانت اكبر المدن السومرية في الفترة الزمنية التي تعرف بعصر السلالات ويضيف العالم الكسندر هايدل في كتابه ملحمة جلجامش اوروك هي من اعرق مدينة في ارقى حضارة مدينية وصلت ازدهارها(2) ويصف الدكتور سلطان محيسن في كتابه عصور ماقبل التاريخ الصادر عن جامعة دمشق ان اريدو بلغت في نهاية فترة تل العبيد حجما كبيرا بمقياس ذلك العصر حيث نافت مساحتها عن العشرة هكتارات ووصل عدد سكانها الى اربعة الاف نسمة وهذا اكبر تجمع سكاني حققته الحضارة الانسانية حتى ذلك الوقت في اي بقعة من العالم (3) ومع اوروك تبدأ حضارة المدينة وتترسخ أولى تقاليد الحضارة العالمية التي مازلنا نعيشها حتى يومنا هذا (4) وعن اوروك التي كان يحيط بها سور عظيم بني في عام 2600ق.م وكان يقدر عدد سكانها آنذاك اكثر من 60 الف نسمة فاذا عرفنا ان سكان مدينة روما ابان العصر القيصري لم يتجاوز 150 الف نسمة لأدركنا ايه عظمة بلغتها مدينة اوروك في ذلك الوقت المبكر من تفاصيل ذلك التاريخ المكتوب على ألواح الطين السومرية (5) اوروك هي المدينة السومرية التي شهدت ولادة عدة اساطير وملاحم ومن بينها ملحمة جلجامش التي عثر على ألواحها مطمورة تحت انقاض قصر الملك الاشوري آشور بانيبال بعد تدميره اثر الهجوم الكاسح الذي تعرض له على ايدي الكلدانيين وذلك في العام 612 ق.م  .

الالواح واللقى والكتابات المسمارية التي تمثل الحضارة السومرية تؤكد بشكل قاطع ان جلجامش لم يكن صنع خيال او خيط وهم او ابتكار او محاكاة كما يدعي بعضهم بل هو شخصية حقيقية ذات حضور خارق وهي من لحم ودم وذات حس بشري يستند الى ارث حضاري واضح في بداية القرن الماضي عثرت بعثات التنقيب الاثرية على الالواح التي تضم النصوص المتعلقة بتفاصيل الاسطورة السومرية التي اشار اليها العالم العراقي المبرز طه باقر في كتابه وابحاثه واخص منها ملحمة جلجامش (6) والملحمة المقصودة هي نص شعري طويل مكتوب باللغات السومرية والاكادية والبابلية وموزع بين اثني عشر لوحا فخاريا ويعتقد بعض العلماء ان ثمة الواحاً اخرى مازالت مفقودة او هي اصابها العطب والتلف كما ان طه باقر والدكتور سامي سعيد الاحمد اختصاصي اللغة الاكادية وأستاذ التاريخ القديم في جامعة بغداد بذل كلاهما جهدا كبيرا لإستكمال المعاني والاحداث في الالواح التي فقدت بعض السطور او الكلمات ويعود الفضل في وصول الملحمة الى الاجيال اللاحقة الى الملك الاديب آشور بانيبال صاحب اكبر مكتبة في تلك المرحلة حيث جمع فيها الادبيات الجيدة التي تمثل قيمة معرفية وجرى احصاء مايزيد عن ثلاثمائة رقيم من شتى نماذج المعرفة ونحو مائتي قاموس ومائة من نصوص الصلوات ونحو مائة رقيمي ادعية وتعاويذ وتجاوز عدد النصوص المعنية بالأدب الاربعين بينها ملحمة جلجامش وقد ألزم الملك الآشوري شباب مملكته بدراسة ملحمة جلجامش والتمعن فيها عاداً انها تفتح العقل على ارتياد المغامرة والعلم المقرونين بالشجاعة والذكاء وهناك أدلة توصل اليها علماء الاثار تفيد الى وجود تقليد يتعلق بإقامة دورة رياضية للتسابق على شرف جلجامش في شهر آب من كل عام يتبارى خلالها الشباب في فنون القتال والمصارعة وسباق العربات وكذلك ألعاب القوى وقد بقيت تلك التقاليد قائمة في الامبراطورية الآشورية التي كانت تسمى شهر آب بشهر جلجامش السومري.

أصل الحكاية في ملحمة جلجامش

ابن الالهة تنسون الذي حملت به من ملك اوروك لوجال بندا جلجامش الذي ولد ثلثة انسان وثلثه اله وجدته سومر متفوقا على رجالها بصفاته الجسمية والعقلية قويا ذكيا شجاعا امسك بصولجان الحكم وهو في مرحلة الشباب وحينما خلقت الالهة ارورو انكيدو القرين والند والصديق لجلجامش تغيرت الافكار والرؤى وصار التأمل العميق في بحر الموت واشرعة الحياة يدفعان جلجامش للدخول في انجاز فعل كبير كشف لرفيقه عن فكرة الوصول الى غابة الارز الموجودة في اقصى مغرب الشمس وقتل حارسها خمبابا ذاك الفعل تعارض مع الاله انليل الذي اوكل الى خمبابا حراسة غابة الارز يبرز الطابع البطولي عند جلجامش بفضل المظهر العتيق لصورته المعكوسة المتمثلة بالعملاق الوحشي انكيدو انهما متمثلان من حيث القوة ويحققان الماثر بصورة مشتركة غير ان انكيدو يتصف بمظاهر الضعف التي يشكومنها الانسان الاعتيادي فهو يجبن عند التفكير بالقيام بحملة الى غابة الارز ضد الغولة خمبابا اما جلجامش الذي تعد الشجاعة من صفاته المميزة فيخجل من تصرف صديقه ولايصغي الى نصائح الشيوخ الحذرين مفضلا عليها الحياة القصيرة والمجد الابدي (7) ورغم الخوف الذي يجتاح انكيدو بدأت فصول الرحلة المحفوفة بالمخاطر والخوف ، اقتحما غابة الارز المسحورة وكان صوت خمبابا المرعب يهدر وكاد يهلكهما لولا مساعدة الإله شمش الذي امدهما بثمانية انواع من الرياح هبت في وجه الوحش المرعب وشلت حركته امسكا به وقطعا راسه وقدماه قربانا لشمش كانت أم جلجامش تشكو قبل القيام بحملته الى غابة الارز من إنّ الله منح ابنها قلبا جنوبيا (8) .عاد البطلان الى اوروك وحاولت الالهة عشتار اغواء جلجامش لكنه رفض عرضها منددا بخيانتها المعروفة لعشاقها وازواجها ورداً على تلك الاهانة اطلقت الثور السماوي في مدينة اوروك ليعبث فساداً ولكن جلجامش وانكيدو مالبثا ان تصديا له وقتلاه بعد صراع مرير وقدما قلبه قرباناً للالهة شمش وقرر مجمع الالهة موت واحد من البطلين ووقع الخيار على انكيدو .اقام لانكيدو طقوس الحداد وقبع في قصره وحيداً حزينا وصارت فكرة الموت تطارده  ، لميدرك جلجامش كربة الموت فقط بعد مقتل انكيدو غير إن هذا لم يكن بسبب الخوف على نفسه شخصيا بل بسبب خيبة الامل لإدراكه حقيقة إن العظمة السامية للشخصية البطولية لم تنفذ الاخيرة من النهاية الطبيعية لكل الناس (9) يحمل الهواجس والافكار معه تعذبه حتى وصل الى رمز الخلود او تنابشتم ليسأله عن سر الحياة او الموت .

جلجامش وسيدوري

كان على جلجامش ان يجتاز سلسلة جبال ماشو التي تحرس التي تحرس ذراها المتقبلة الفوهة التي تنزل منها الشمس الى باطن الارض ومن بعد تواصل مسيرها في بحر الليل قبل شروقها من الطرف الثاني سهل له البشر العقارب الموكلون بحراسة تلك الجبال عبور مسالكها الوعرة ارشدوه الى اقصر طريق يصل من خلاله الى اوتنابشتم وعندما وصل الى فوهة الشمس نزل فيها ليصل عبرها الى الطرف الاخر من العالم عمل من الخوارق ليش بوسع البشر القيام به هو من مهمات الاله اجتاز جلجامش ممر الشمس الاسفل في اقل من ليلة واحدة وخرج من الطرف الثاني ليجد نفسه على شاطىء البحر الذي يفصله عن جزيرة اوتنابشتم هناك تقيم سيدوري ساقية حان الالهة حيث يتوقف الخالدون للحصول على محطة استراحة وتناول الشراب ينتاب سيدوري الفزع والخوف وهي ترى عملاقا اشعث يعلو ملامحه الغبار ويرتدي جلود الاسود تدخل وتوصد باب حانتها دونه لكن جلجامش يناديها ويكشف لها عن شخصيته واهدافه التي جاء من اجلها ويطلب منها المساعدة .تخبره سيدوري بوجود ملاح اوتنابشتم المدعو اورشنابي في المكان يحتطب من أجل سيده ، ارشدت سيدوري جلجامش الى مكانه وأخبرته بإنه الوحيد الذي يستطيع بقاربه عبور مياه بحر الموت لأنه يملك رُقماً حجرية عليها طلاسم سحرية .

 

جلجامش وأور شنابي

انطلق جلجامش كسهم سريع الى مكان أورشنابي وفي غمرة اضطرابه وانفعاله العنيف داس فوق الرُقم الحجرية التي كان اورشنابي قد وضعها جانبا وهو يحتطب فبعثرها وحطمها فقال له اورشنابي بعد ان سمع قصته ان يديه قد حالتا دون عبوره لأنه كسر الرقم الطينية التي تعين الزورق على اجتياز مياه الموت وبعد تقليب الامور على وجوهها توصل اورشنابي الى حل للمشكلة فمياه الموت التي تبدأ حدودها بعد مسيرة طويلة في البحر هي مياه راكدة والهواء فوقها ساكن حيث لاريح تدفع ولا مجذاف ينفع وحيث الرذاذ إذا تطاير يقتل باللمس أختار اورشنابي دفع الزورق بالمردي وطلب من جلجامش ان يحتطب من الغابة مائة وعشرين مرديا طول الواحد منها ستين ذراعا وحينما انجز جلجامش عمله ابحر الاثنان في الزورق وحينما ولج مياه الموت طلب اورشنابي من جلجامش أن يبدأ باستخدام المردي ك . ان على جلجامش ان يستعمل كل مردي مرة واحدة فقط ثم يتركه بعد الدفع الى الماء لكي لاتمس يده ما علق عليه من ماء قاتل .

( يتبع )

   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعلى الصفحة

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006