|
الإناء النذري ( الوركاء)
محمد العبيدي ـ كاتب وأستاذ جامعي
إناء كبير من رخام كلسي، نقش ظاهره
بمنظر طقوسي ديني يمثل الالهه(( أنين)) سيدة السماء تتقبل
الهدايا والنذور ، وجد في الوركاء 3000 سنة قبل الميلاد.
ويعد من أهم القطع المعروضة في المتحف.

يمثل مجمل الكتابات التأريخية مقاربات
متنوعة للنص الفني لنتاجات بلاد الرافدين أيا كان نوع
النتاج : الفخار، الرسم الجداري، النحت، العمارة، ولكن
هذا العمل موضوع الكتابة له قراءة وخصوصية عبر خطاب وبلاغ
نستطيع ان نلمس من خلال دلالاته، وإبراز معالم جمالياته ،
التي تقوم على آراء جدلية للنص الذي نقش على جدران هذا
الإناء الرخامي، إن إرساء عملية تحليل النحت المضاف على
الإناء هو عرض لطرق مترامية الإبعاد الفكرية ، ومرامي النص
الفني الذي يحتويه ، باعتبار أن النص المضاف هو الشرط
الضروري لعملية التحليل .
وفي توقفنا عند مسألة العلاقة بين
الوصف الإنساني والوصف الإلهي ومن خلال فعالية اجتماعية ،
هي تقديم النذور إلى أعلى سلطة فوقية تعمد الفنان في نحت
الأشكال المضافة على الإناء لتمثيل ومتابعة الصلة بين
الجانب الوصفي ، الإنساني في الفعالية الاجتماعية وتقديم
النذور والامتداد المتباعد الذي يتعدى الوصف الإنساني
ويذهب إلى إعداد عناصر فوقية تبتعد عن المنطق . أهمية
الحالة في النص المضاف أعظم مماهو طبيعي لذلك يرجح اختيار
الفنان الرافد ي عناصر مقيدة لايمكن التحكم بها كونها أخذت
صفة الإلوهية ، ولنتابع من خلال الوصف لعبارات كتب بها عن
( الإناء النذري) الأستاذ الدكتور زهير صاحب:
((
تمكنت المعرفة الفكرية الرافدية أن تؤسس نظاماً معرفياً
لفلسفة القوى الكونية ، بهيئة قوى مثالية أزلية عليا ،
وقوى زائلة أرضية . ويتمثل ذلك في نظام الإنشاء التصويري ،
حيث قًسم سطح الإناء إلى عدد من الأشرطة الأفقية ،
مستخدماً حسابات هندسية دقيقة في ذلك . ساعياً إلى تكوين
(سيناريو) زمنية لرواية تتابع الأحداث بدءًا من الأرض وحتى
السماء . فهذا الإناء في محتواه الفكري كان بمثابة زقورة
تربط السماء بعالم الأرض ))
.
من الملاحظ حقاً إن الأفكار هنا لعبت
دوراً مركزياً في الفعالية ، وشكلت أهم مساحة مكانية حينما
قسمها الفنان إلى حقلين : حقل أعلى وحقل أسفل ، وهذا ليس
بجديد عن فنون بلاد الرافدين فقد كانت الرسوم الجدارية
تقسم على أساس مكانية النص وتتم الأحداث على وفق قدسية
العامل الدلالي الخاص .
وبما إن هذا النتاج المهم مثل الجانب
الطقوسي الجانب الطاغي على الفنون الرافدية ، أثارت حالات
الانتباه و متابعة الوصف في سرد الحالة بالرغم من الفراغات
المتروكة بقصدية من الفنان، وعملية الإضافة لم تأخذ دور
عملية تسطيح المفردة لتبقي أهميتها من خلال شكلها الخارجي
وهو الأهم ، أو كونها فعالية فأنها تتفاعل وترفد بإبعاد
ومرام ٍ تقوي وتؤكد الحالة الطقسية والشعائرية وموقفها
الذي يمارس حتى هذه اللحظة ، وحينما ندقق في الدلالات
وبشكل لايقبل اللبس أبداً نلاحظ الدخول في صراع مع الأفكار
من الأرض وصولا إلى السماء .وبدلا من الوقوع في فخ
المحتوى الفكري الذي يحطم ويبدد المحتويات من خلال إنشائية
التصوير ، ولكن النتاج أعطى صورة وكأنه بانوراما تؤكد
الاستمرار بالوجود مرة وبالوحدانية مرة أخرى ، هذا لايعطي
وضعا ً مختلفاً ولا تنفرد فيه بقية النتاجات لاسيما
منحوتات النحت البارز ، ولكن محتويات الإناء وبالرغم من
ترك الفراغات اوجدت التماثل والتناسب بلا انقطاع لا على
المستوى الفكري ولاحتى التقني وكأن هناك نوعاً من التواصل
الطبيعي ، الذي يؤكد سياق التكوين النصي ، وكذلك دوران
الشكل وإضافة المفردات أعطى الوصف نوعاً من الدلالة
البصرية ، الذي يطابق الفكرة مع الحدث وهذا جعل (( الإناء
النذري)) يحمل بعداً رهيفاً في الإثارة من خلال الكثافة
الخاصة للأشخاص (( والغلات ، والحيوانات)) المقدمة كنذور
وهذه أعطت إشارات قائمة في النص ، ونسميها دعوة حسنة
للمشاركة من اجل البقاء والتغلب على مصاعب الحياة من خلال
(( سيدة السماء)) . هذا التلقي الوصفي هو أهم عقدة لشبكة
التعقيد في أن يخضع الفن دائما للعب في دائرة المعتقد
الديني ، بسبب تداعي الفعالية المكررة في اغلب الأعمال
لكنها لم تجد الوصف الوثيق الارتباط بحالة الوصف الاّ في
الإناء النذري ، وأهمية الوصف القصصي تغلب على إقحام الفن
في هذه الدائرة.
وإذا كان الوصف قد بدأ بوضوح يحمل في
ذاته حكما ً إزاء موضوعه وهو الفعالية الطقسية فإنه في
الوقت نفسه، حكم على الذات من خلال وجود (( سيدة السماء))
التي لم تترك الفعالية بالرغم من حالة المواقف المتعددة
التي تضمنتها الفعالية ، وبهذا ماعلى المتلقي الاّ أن يبني
المواقف وبدوره يحسم تقديم النذور من غير الوقوع في شرك
الموقف المزيف القائم على تناقض الأشياء والابتعاد عن واقع
الأحداث لبيئة بلاد الرافدين.

ولا نجد لحركة التقسيم ومراكز الثقل
ونقاط الارتباطات وصلات التفرعات والتي نقدمها موضوعاً
للدراسة مثلما وجدناها عند الأستاذ الدكتور (( زهير صاحب))
في هذه السطور لنختم مقالتنا ولا نكتب شيئاً بعده من كلمات
:
(( فعلى الحقل الأول من الأسفل ،
مَثَلَ الفنان وبواقعية كبيرة ، نسقاً من سنابل القمح وقد
نمت على ضفاف أحد الأنهار . وفي الحقل التالي ودائماً إلى
الأعلى ، وضع الفكر صفاً متتابعاً متقدماً ومتصاعداً من
أشكال الأغنام والماعز . ومن ثم شريطا أفقاي خالياً من
الأشكال ليؤدي دوره جمالياً في الاستيعاب البصري وليدلل
أيضاً إن الفكر كان يعزل النفس النباتية النامية عن النفس
الحيوانية الحسّاسة ، وهي هبة السماء لأرض سومر من خيرات
.وبعد شريط فارغ ، يأتي دور الإنسان (النفس الناطقة) ليحمل
بشكل متتابع ومتصاعد ، خيرات الأرض ليقدمها للآلهة التي
احتلت القمة في بنائية التكوين ، عرفاناً منه بالجميل
الكبير ، وكمظهر تعبدي تؤديه الروح ، ليشع فيها نوعاً من
الدينامية الحيوية ، هي سر من أسرار أزلية الحياة
واستمرارها .
وبعد هذا الحوار الدرامي العميق في نظم
الظواهر ، فإن هذا السمو الذي يكون بنية المضمون ، لا بد
له أن ينال التقديس الروحي في مادة الرخام الجميلة لوناً
وملمساً وحيويةً وفاعليةً فتشيه . فالروحي هنا يجد كمالهِ
في ذات مادتهِ الجليلة التي قولب فيها دلالته الفكرية .
تُشير الخطوط الخارجية للإناء المرمري
، إلى شاعرية وقدرة تجريدية كبيرة في تجويف ونحت الشكل
العام ، هذه الخبرة الجمالية تتأكد أيضاً في أشكال السنابل
والحيوانات التي نحتت بواقعية فوتوغرافية كبيرة بالرغم
صلابة مادة التمثيل . في حين (أُسلبت) الأشكال البشرية إلى
نظم تجريدية ، لتؤدي فاعليتها بغير محدودية في مثل هذا
التراجيد المسرحي الكبير . الذي يمثل في أعياد الربيع كل
عام ، إنه نداء أرض الرافدين الأبدي ، الذي فاضَ خيراً
وسلاماً وإبداعاً وأصالةً وفلسفةً على الإنسانية جمعاء ))
.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعلى الصفحة |