الموروث الثقافي العربي- الاسلامي في المكتبات العالمية

جامعة لايدن نموذجاً

جاسم المطير

وصل الارتباط العالمي بين الموروث الثقافي العربي- الاسلامي وخاصة في مجال المخطوطات داخل رفوف واروقة الدراسات في المكتبات العالمية الى درجة عالية من التأثير الثقافي المتبادل حيث يمكن التعرف على كثير من المبادرات الاوربية المبنية على الاهمية التبادلية الثقافية بين الحضارات. خلال جولاتي الكثيرة في مكتبة لايدن منذ عام 1999 تمكنت من الاطلاع على المنظمات الهولندية ذات التقنية العالية وعلى الاساليب المكتبية المتطورة في الحفظ والارشفة ووضع الكتب والمخطوطات القديمة والحديثة في متناول الباحثين من مختلف انحاء العالم والدارسين في جامعة لايدن التي لاح في افقها عام 2006 احتمال لحدوث تقدم جديدة من خلال افتتاح معهد جديد معني بالدراسات الاسلامية بعد رصد الحكومة الهولندية لمبلغ عملاق بهذا الشأن وقد وجدت الكثير من المحاولات لتخطي الصعاب وتذليلها في جامعة لندن ومكتبتها التاريخية الضخمة اثر حضوري لعدد من محاضرات قيمة بهذا الصدد في حزيران 2006 كان قد ألقاها المستشرق الهولندي البروفيسور (فان كوننسفلد) على تلامذته حين تحدث عما تضمه اروقة مكتبة لايدن الشهيرة موضحا لهم تاريخ واهمية هذه المكتبة وما تحتويه من الكتب والمخطوطات والمصادر النادرة في مخالف المجالات والاختصاصات التي تتطلب ضرورة الاستفادة من هذه المكتبة والتزود من هذه الثروه الحضارية والعلمية والثقافية والادبية ليس فقط من قبل طلبة الجامعة بل للباحثين والدارسين، العرب والمسلمين، الوافدين اليها، وفي الحقيقة انني وجدت داخل اروقة هذه المكتبة (جامعة لايدن المركزية ومعهد هولندا للشرق الادنى وارفقها وداخل كومبيوتراتها ثروة هائلة من المصنفات والمخطوطات العربية والاسلامية اضافة الى مكتبة شاسعة عن البابليين والاشوريين والحضارة المصرية القديمة. تأسست جامعة لايدن قبل اربعة قرون تقريبا وقد قدمت الكثير من الخدمات المكتبية – المعلوماتية بوسائل متطورة ومتقدمة الى الباحثين المقيمين في هولندا او الزائرين لها من الاكاديميين العالميين، لعبت الجامعة منذ نشوئها دورا مهماً داخل القارة الاوربية في تنوير الاوربيين وتعريفهم بالاسلام والحضارة الاسلامية من خلال الترجمات التي قام بها عشرات المستعربين. كما ادت دورا تاريخيا في نشر دائرة المعارف الاسلامية وتدرس الان لطلابها اللغة العربية والدراسات الاسلامية والعلوم الشرقية، وتعد مكتبتها من اثرى وأندر المكتبات الاوربية فهي تضم انفس المخطوطات العربية والاسلامية القديمة وأهم المطبوعات والكتب الاسلامية.

يمكن الحديث عن جامعة لايدن ومكتبتها كما يأتي:-

انشئت الجامعة بمبادرة من اميرها في ذلك الوقت، وليام في الثامن من فبراير عام 1575م، مكافأة لمدينة لايدن على دورها الوطني في المقاومة الشعبية لمحاربة المستعمر الاسباني، ومنذ ذلك التاريخ حتى الان تمارس الجامعة دورا متميزا في مجال الدراسات العلمية والابحاث المعملية والميدانية المتنوعة. 

يعتبر الهولندي فان رافلينخن اول استاذ كرسي للعربية في الجامعة في الوقت الذي كان يشتغل فيه بتدريس اللغة العبرية.

احتضنت الجامعة عددا كبيرا من المستعربين والمستشرقين في العالم كما انشئت بمدينة لايدن اول مطبعة فرعا لمطبعة انتورب البلجيكية وطبعت اول كتاب يتضمن الخطوط العربية في عام 1595م وطبع بعد ذلك أول قاموس عربي.

تخصص توماس فان اربين في تدريس اللغة العربية في الجامعة لمدة أحد عشر عاما تبعه فارتر عام 1654 في تدريس اللغة العربية واثرى مكتبة الجامعة بالمخطوطات الاسلامية والتي جلبها من القسطنطينية.

اهتم المستعربون في جامعة لايدن بالدين الاسلامي في مطلع القرن التاسع عشر على يد دوزي وخويه وسنوك هورخروتيه الذي ألف عديدا من المؤلفات الاسلامية خاصة تاريخ المسلمين في اسبانيا الى جانب نشر لعديد من النصوص في فقه اللغة العربية والجغرافيا وبحوث عن الشريعة الاسلامية.

يبلغ عدد الدارسين في جامعة لايدن نحو (14)ألف طالب، وتضم الجامعة (9) كليات نظرية وعملية تدرس فيها مناهج تصل لاكثر من مائة مادة دراسية في مختلف الفروع العلمية وتعد واحدة من اعظم الجامعات الاوربية خاصة في دراسات علوم الطبيعة والطب البشري والادب والاجتماع وعادات الشعوب والقانون الدولي.

في جامعة لايدن وجدت (اقدم مطبعة ومكتبة) متخصصة في الكتب والمخطوطات القديمة والنادرة عن تاريخ وحضارة الشرق بمختلف تنوعاتها الاسلامية والعربية والمسيحية واليونانية وقد ابتدأ العمل بهذه المطبعة سنة 1683م  وفي هذا التاريخ انطلقت في عملها من مقرها الحالي وتعرف (اي ي ريل) نسبة الى مؤسسها الاول وكانت في البداية تابعة لجامعة لايدن العريقة وهذه المطبعة معروفة عالميا بإسم المكتبة الشرقية وتعتبر اول مطبعة كان لها السبق في طبع الكتب العربية والاسلامية ومن بين مطبوعاتها النادرة اول نسخة للقرآن الكريم قبل نحو (4) قرون.

 هناك قصة طريقة تروي تاريخ طبع هذه النسخة من القرآن تقول ان احد الايطاليين صاحب فكرة طبع هذا القرآن انجز نسخا منه ثم رحل بها الى سلطان عثماني يجهل اسمه لتقديمها له كأعز هدية، الا ان هذا الاخير رفض الفكرة واعتبرها بدعة ورمى بالنسخ المطبوعة في احد الانهر واخفى احد خدم السلطان نسخة منها هي معروضة الآن في متحف روما حسب مصدر من هذه المكتبة وهي ايضا اول مطبعة طبعت القرآن الكريم مترجما الى الهولندية سنة 1600 للميلاد. 

وفي سنة 1766 للميلاد اضافت الى اعمالها بيع الكتب والمخطوطات العربية والاسلامية والعبرية النادرة والقديمة. بهذا الصدد يمكن مقارنة مكتبة جامعة لايدن بالمكتبة البريطانية التي يعتبرها الباحثون العرب والمسلمون انها واحدة من اكبر المكتبات الاوروبية التي تمتلك مجموعات خطية عربية في الفنون والعلوم كافة منها "تفسير سفر التكوين لمجهول ونسخت عام 833 ميلادية بخط الثلث في 13 ورقة تضم كل منها 16 سطرا مشيرا الى ان الشارح يؤكد ان التاريخ بدأ بخلق الانسان كسفير الله على الارض وان اختيار الله كان للااء البطاركة ابراهيم واسحق ويعقوب وان كل تصرف وكل عمل ورد في تاريخهم هو عبارة عن مقدمات متعددة لمجيء المسيح كمخلص.

بالنسبة لـ "المكتبة الشرقية" فإن جل الكتب المتوفرة فيها متخصصة في تاريخ وحضارة وعلوم الشرق الاوسط والادنى والاقصى وفي هذا التاريخ المذكور نفسه تعرضت للحريق واعيد بناؤها من جديد وتتوفر على طابقين بالاضافة الى  طابق سفلي ويشتغل فيها 4 بالاضافة الى مدير المكتبة وزوجته وتضم كذلك خرائط قديمة وصورتين ذهبيتين لمكة المكرمة والكعبة المشرفة رسمت باليد عثر عليها في النسخة الاصلية لكتاب دلائل الخيرات الذي ألفه الامام الجزولي سنة 1763 ولوحات فنية مهمة ، وتعرف هذه المكتبة قوانين صارمة بحيث لا يسمح لكل الزائرين بالصعود الى اعلى بمفردهم بل برفقة احد العاملين كما يمنع تصوير بعض الصور القديمة وبعض الخرائط وخصوصا صورة لمكة المكرمة، ومن الجدير ذكره ان جمهور المكتبة موزع بين هدة بلدان عالمية وخصوصا الشرق الاوسط كالسعودية وقطر والامارات العربية المتحدة.

 قيل ان عربياً اقتنى اغلى نسخة قديمة للقرآن الكريم بمبلغ يفوق خمسة وسبعين ألف يورو وبيعت منها ايضا مخطوطة عربية اسلامية بقيمة 200 ألف يورو لعربي اخر وتمارس المكتبة اكبر عملياتها في البيع العالمي لمخطوطاتها وكتبها النادرة عبر الانترنت من جهة اخرى لا احد يعرف اسماء بعض الزبائن الكبار من بعض الدول العربية الذين يتعاملون معها في شراء بعض النفائس.اما عن كيفية حصول المكتبة على محتوياتها وفاة احد العلماء او الباحثين وهواة جمع الكتب النادرة من مختلف البلدان حيث يقوم ورثتهم ببيعها عن طريق الاتصال بالمكتبة التي تقوم بايفاد خبراء الى الدولة المعنية والتأكد من القيمة التاريخية للمعروضات، يقال هنا ان مجموعة من تلك الكتب والمخطوطات وصلت الى اوروبا حينما قام أمين بن حسن المدني الحلواني (المملكة العربية السعودية) ببيع بعض محتويات (مكتبة عارف حكمت) و (المكتبة المحمودية) الى جامعة لايدن في هولندا، وجامعة برنستون في الولايات المتحدة.

في المحصلة يمكن القول ان هذه المكتبة تعتبر من بين الظواهر الثقافية العالمية المتخصصة بثقافة الدول العربية والاسلامية اذ يمكن ان تنعدم او تسرق مخطوطات وكتب قديمة بلدان العالم العربي كما حصل في العراق عام 1991 وما بعد سقوط صدام حسين عام 2003، لكن هذه المكتبة استطاعت ان تجمع تحت سقفها كل ثقافات العالم واديانه.

( مجلة آفاق سبيريز ـ عراقية فكرية ثقافية عامة ـ  4تموز 2008)

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعلى الصفحة

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006