|
جيل الوجبات
السريعة
حاتم حسن/ كاتب عراقي
يقال اننا حين نقرأ
الكتاب فاننا نستعير عين وعقل ومزاج الاديب والمفكر والفيلسوف
لتحسس العالم والتعرف عليه.. وبذا فان خبراتنا وتجاربنا وغزارة
مشاعرنا تتضاعف بهذه المصادر والروافد، ولا تقتصر على ما تمده بنا
انفسنا. واننا نتنوع ونتعدد بمقدار ما نقرأ ونتمثل ونعرف من
الآخرين.
الا ان الكتاب وقراءته تتضاءل وتنكمش حتى لتترسخ القناعة ان الجيل
الجديد لا يعرف القراءة ولا صلة له بالكتاب و( لاينات الكومبيوتر)
والفضائيات تنهبه وتصرفه عن قراءة الكتاب..
وعلى الرغم من اهمية ثورة الاتصالات وكونية المعلومات وتحول العالم
الى قرية الا ان ملامح القرية القيدمة قد لاح وبان على هذا الجيل
وأن بملامح واتجاهات والوان اخرى.
وثقافة الصورة على اهميتها لا يمكن ان تعوض عن الكتاب.. فالكلمة
المطبوعة في كتاب او صحيفة تكتسب سحرها وتوقيتها حتى بعين مؤلفها
وكاتبها وبعيون القريبين منه.. كما لو انها (بالطبع والنشر) انفصلت
عن مبدعها، وتزودت بوثيقة تصادق عليها وتؤكدها..
ثم ان الكتاب يوفر الحرية وفرصة التمثل والتأمل لا توفرها الوسائل
الاخرى.. كما لو القلم وصوره مجرد حوادث مصنوعة ولها طابع عابر لا
يتيح التأمل والمراجعة.. بل هو شيء سريع يندرج مع الوجبات السريعة
والموضات العابرة، والجري السريع.
هناك من لاحظ ان العقود الاخيرة تخلو من عقول جبارة من تلك التي
أنجبتها الخلوة والانغماس في الفكر والثقافة، وبلغ الحد الذي ينكر
العمق في التيارات الابداعية والفكرية الموسومة بالحداثة وما بعدها
وان اسماء الاعلام السائدة ما هي الا اسماء عمالقة اقزام بين
الاكثر تقزماً وسطحية.. واطلق بقايا الرجال الجادين على اسماء
الموضوعات بانها مجرد فقاعات في عصر السوق والاستهلاك والاكلات
السريعة.. ويمزح بعض بقايا جيل العمالقة حين يقول ان الجيل الجديد
بلا مؤخرات قادرة على الجلوس على كتاب يتطلب اليقظة والصبر والتوق
الى المعرفة.. الا ان المؤخرات الصبورة موجودة ولكن امام
الكومبيوتر وثرثراته التي تفوقت على ما فيه من معرفة. ولا احد
يستطيع الجزم بان في هذا الجيل من يرابط امام الكومبيوتر ليقرأ
رواية الحرب والسلام والجريمة والعقاب وجمهورية افلاطون وفلسفة
سبينوزا.. وحتى عندما يقرأها فانه يفعل ذلك لينتقي ما يناسب غرضاً
معيناً، وليس لاستعارة عيونهم وعقولهم وامزجتهم لكي يتضاعف بها
ويغدو اكثرغزارة .
|
© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006