حي بن يقظان، لأبن طفيل من أعظم آثار العصور الوسطى

-         نظائر حي بن يقظان قبل ابن طفيل وبعده

-    ما علاقة قصة ابن طفيل بقصص ابن سينا والسهروردي وابن الاعرابي؟

ـ اعداد : "الموروث":

 

من المؤلفات والقصص العريقة التي وصلتنا من اعماق التاريخ والتراث العربي الغزير بآثاره، قصة (حي بن يقظان) لأبن طفيل.. تلك القصة التي ذاعت شهرتها في الآفاق وأثرّت في الآداب الاوربية والغربية عموماً وتميزت بالكثير من الخصائص، منها ما ذكره الكاتب فاروق سعد في الكتاب الذي قدم له وحققه: (حي بن يقظان لأبن طفيل )، اذ كتب:
"الفرادة في اعتماد الفكرة، والابتكار، في البناء الفني، البراعة في المعالجة في الايحاء.. تلك خصائص قصة "حي بن يقظان" التي كتبها الاديب والعالم والطبيب والفيلسوف الاندلسي ابو بكر محمد بن طفيل، عارضاً بها دارساً من خلالها سيرة المعرفة الانسانية، عبر سيرة ربيب ظبية متوحد دُعي بأسم حي بن يقظان، وتمكن بفطرته الفائقة من الارتقاء بالمعرفة من الحواس والتجربة الى المعرفة العقلية القائمة على نتائج ومعطيات ما جربه وخبرة في عالم الكون والفساد حتى الخلوص الى الحكمة الشرقية" .
ولسنا في معرض سرد هذه القصة الشهيرة، وانما ارتأينا ان نقدم هنا شيئا عن نظائر حي بن يقظان قبل ابن طفيل وبعده، معتمدين على ما ورد في كتاب فاروق سعد المشار اليه آنفاً، لكن من غير الخوض في تفاصيل اوردها الكاتب المحقق:
(الولد المسيب او المتروك وحيداً في الطبيعة معرضاً للاخطار، المجهول او المعروف الابوين، نظير حي بن يقظان، هو مما عرف قديماً في قالب اخبار او قصائد او ملاحم. منها على سبيل المثال، ما يرويه هو ميروس عن بان، الوليد الذي سيبته امه ومرضعته خشية من والده هرمس، ومن ان هرمس التقط ابنه بان وغطاه بجلد ارنب وحمله الى قمة جبل الاولمب.
ويروي الدكتور كارل غوستاف يونغ، والعالم والمحلل النفساني المعروف، وك. كير ينيي ترهتين، الاولى هنغارية.. عن طفل يعيش وحيداً في عزلة تامة بعد موت ابويه، كما يرويان قصة شعرية نثرية عن طفل يعيش وحيداً في غابات ألتاي السوداء في قلب آسيا... وقد ورد نص وتفاصيل هذه القصة في كتاب صدر في سان بطرسبورغ سنة 1866، ألفه و. رادولف تناول فيه الادب الشعبي التركي جنوبي سيبريا.. كما يروي هذا الكتاب ما جاء في احدى ملاحم قبائل ألتاي المسماة " شور" عن اسطورة صبي يتيم..
والخبر عن ولادة حي بن يقظان من بطن الارض نجد نظيراً له في ترهة اتروسكية يعود يونغ وكير ينيي بمصادرها الى شيشرون واوفييوس وفستوس .. وتروي هذه الترهة قصة تاجس الوليد الذي يخرج من التربة امام انظار فلاح كان يقوم بالحراثة...
 وقيام حيوان بارضاع وحضانة طفل تائه لم تقف حوادثها ضمن حدود التاريخ الترّهي والاسطوري قصراً على تيرو أو زيوس الذي ترعرع على حليب العنزة او ريموس ورومولوس اللذين رضعا حليب اللبوة التي قامت برعايتهما، بل نجد التاريخ الحقيقي حافلاً  بحوادث واقعية عن اكتشاف اولاد (ذكور وأناث) يعيشون في الأدغال والبراري بحضانة ورعاية حيوان.
ويذكر لوسيان مالسون في كتابه (الاولاد المتوحشون) الصادرة طبعته الاولى في باريس سنة 1964 ثلاثة وخمسين اكتشافا لثلاثة وخمسين "ولداً متوحشاَ" عُثِرَ عليهم يعيشون في الغابات او الصحارى او السهوب وذلك بين سنة 1344م و 1961، مع جدول مفصل مُبيَن فيه مكان وزمان كل اكتشاف وسن الفتى المكتشف والمرجع او المصدر المعتمد عليه والمثبت لواقعية وصحة الاكتشاف... وهنا لابد على سبيل الاستفاضة من الاشارة الى ما نشرته جريدة في لبنان خلال شهر حزيران سنة 1973 عن طفل عثر عليه في أدغال جنوب جزيرة سيلان يعيش مع القرون واطلق عليه اسم "تيسا" نسبة الى قرية "تيسا ما هاراما" التي تقيم فيها المرأة التي عثرت عليه..
ان ما يعنينا هنا هو التنويه بأن فكرة وجود ولد مفقود او مسيب يعثر عليه حيوان فيقوم بارضاعه وحضانته هي فكرة ليست خيالية بل تقوم على حوادث واقعية لاشك ان كثيرا منها حدث واقعياً وكان معروفا في عصر ابن طفيل وقبله. انما لم يقيد ضبط هذه الحوادث علمياً الا اعتباراً من سنة 1344 (حسب بيان مالسون الاحصائي عن الاولاد المتوحشين) أي بعد وفاة ابن طفيل مؤلف قصة حي بن يقظان بمائة وتسع وخمسين سنة..
ولا يؤثر على اعتبار الفرادة في فكرة موضوع قصة حي بن يقظان ما ذهب اليه سارطون من ان ابن طفيل قد استعار اسم القصة (حي بن يقظان) واسم البطلين (حي و إسال)، وان اطار القصة يرجع الى قصة عربية مشهورة، ذلك انه نفسه لا يلبث ان يستدرك ويقرر ان ابن طفيل كان اول من استغل هذه القصة استغلالاً قريبا من التمام واول من عالج الناحية الفلسفية فيها وهي جوهر الموضوع. وان ابن طفيل هو الخالق الحقيقي لهذه القصة، وهو الذي لفت انظار العالم كله اليها، وان قصته من اعظم قصص العصور الوسطى ابتكاراً.
وليست من شأن ما جاء به غوميز في بحثــــه سنـــــة 1926 تحت عنوان
cuento Arabe funto connu de Aben To faily de Gracian)  (um
من ان قصة حي بن يقظان تعود في بعض اصولها الى اسطورة "الصنم والملك وابنته" التي كانت متواترة بين الموريسكيين الارغونيين في اسبانيا قبل وزمن ابن طفيل، ان ينال من اعتبار ما تتمتع به قصة ابن طفيل من فرادة في فكرة الموضوع. ذلك ان غوميز نفسه لا يلبث ان يسارع الى التنويه بما وجده ابن طفيل في فكرة الموضوع في سبيل الى عرض نظرية الفكر المتوحد. ومن هنا قيمة هذا التأليف الجميل بين قصة شائعة وبين الافكار الفلسفية ،و "استطاع ابن طفيل باسلوبه العذب الذي يفي ابتكاراً وقوة شاعرية ان يخلق منها أثراً من اعظم ما أطلعته العصور الوسطى".
واذا كــان ليــون غوتييــه فــي كتابــه عــن ابـــن طفيـــل المنشـــور فـــــي بـاريـس سنـــــــــة 1909(
Iben Thofail, Savie, Sesoeuvves ) ثم في مقدمته في الطبعة الثانية لقصة حي بن يقظان المنشورة في بيروت سنة 1036، يذهب الى القول ان العنصر الاول في عبقرية ابن طفيل في قصته ليس القالب القصصي وانما مذهبه الفلسفي، فان غوتييه لا يلبث ان يلحظ كون ابن طفيل قد استطاع ان يستعمل قصة ساذجة بسيطة لعرض كل ما عرفه أهل زمانه من الآراء في العلم وما وراء الطبيعة والتصوف والتفسير، ثم ينبه غوتييه الى التحويرات البديعة التي اضافها ابن طفيل على هيكل القصة والى (أن العنصر القصصي متناسق متعادل في اجزاء القصة كلها، وهو يختلط بالعنصر الفلسفي من أول الكتاب الى آخره.
وقد عرف ابن طفيل كيف يستبقي من الاسطورة ما يصلح وما يسوغ وطرح منها مالا ينفعه وأدخل هنا وهناك بعض التعديلات ما اضفى على القصة روحاً جديدة ولكنها من حمل ذلك الحشد العظيم من الآراء والافكار).
ويذهب الكاتب فاروق سعد في تقديمه الكتاب والتحقيق فيه الى القول ان (وجود بعض أوجه الشبه بين قصة حي بن يقظان واسطورة الصنم والملك وابنته نجدها في بعض احداث الهيكل العام للسياق والشخصيات، ليس من شأنه ان يفقد فكرة قصة حي بن يقظان، كما هي عند ابن طفيل، ما تتميز به من فرادة، ذلك ان الشخصية الادبية العلمية لأبن طفيل ،لمؤلف تطبع قصته بطابعها. وعلى هذا فان هذه الاسطورة لا تعدو كونها مصدرا من مصادر الوحي، ليس من شأنه ان يمس بقيمة العمل الفني المستوحى منه. ولو لم يكن ذلك كذلك لاُسقطَت قيمة الاعمال الفنية ذات المصادر المعروفة عامة والاعمال الفنية الكلاسيكية خاصة التي يعتبر استيحاء القديم الترهي او الاسطوري احد مقوماتها الاساسية، لا بل واسقطت الآلاف من الاعمال الفنية ذات المصادر الترهية او الاسطورية او القصصية).
ويستمر محقق الكتاب في ايراد نظائر قصة (حي بن يقظان) قائلا:
(ولشخصيات قصة حي بن يقظان التي كتبها ابن طفيل ونعني بها "حي" و "سلامان" و "اسال" نظائر في قصتين لابن سينا، ولكن هذه النظائر تقتصر على التسميات ليس الاّ. وكأن ابن طفيل اراد ان يُجنب القارئ التباس الامر عليه فنبه الى ذلك في مستهل قصة حي بن يقظان قائلا: "فأنا واصف لك قصة حي بن يقظان واسال وسلامان اللذين سماهما الشيخ ابو علي" ويعني ابن طفيل " بأبي علي" ابن سينا.
القصة الاولى لأبن سينا تحمل اسم "حي بن يقظان" وهي تسرد رحلة الانسان الى المعارف الخالصة بصحبة رفقة حواسه وما له من الاهواء والغرائز والشهوات وسائر الملكات والنوازع الانسانية. ويتم اللقاء مع شيخ مهيب قد اكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة. هذا الشيخ الوقور يدعى حي بن يقظان! "حي" يرمز الى العقل  الفعال او النفس الملكية المفكرة، وهو عقل خالد حي لا يتغير ولا يهرم.. وبفضل حي اي العقل الفعال يهتدي الانسان الى الحقائق العليا والافلاك العليا التي هي العقول التسعة، ثم علة العلل وهو العقل العاشر! ..
اما القصة الثانية لأبن سينا، فتحمل اسم "سلامان وإبسال"، ويختلف موضوع هذه القصة اختلافاً بيناً عن قصة ابن طفيل وقصة ابن سينا اللتين تحمل كل منهما اسم "حي بن يقظان".
سلامان وابسال هما ايضا بطلا قصة نقلها حنين بن اسحاق عن اليونانية، ولكن ابسال هنا امرأة.. ويروي ابن الاعرابي في كتاب "النوادر" قصة رجلين لا صلة لهما بقصة ابن طفيل الاّ من حيث الاسم، احدهما طيب النفس يسعى للخير ويعمل له هو سلامان، والثاني سيء يسعى للشر ويعمل له وهو اسال وقد أُسر هذان الرجلان فُفدي الاول لخيره ولم يُفدَ الثاني لشره فبقي في الاسر حتى مات).
ويؤكد محقق الكتاب ان القيمة الحقيقية لقصة حي بن يقظان لاتقوم على فرادة فكرة موضوعها فحسب ،بل ايضاً على ما يتميز به بناؤها من ابتكار وما تتسم به معالجتها من براعة، بحيث انه يمكن اعتبار قصة حي يبن يقظان قصة ناضجة فنياً نضجاً تاماً، وعلى مستوى أدبي رفيع، ليس بالنسبة لعصرها، بل بالنسبة لكل زمان ومكان، وعلى اساس تقييم يعتمد احدث مقاييس النقد الادبي، والأدب المقارن.

ويورد محقق الكتاب نظائر حي بن يقظان بعد ابن طفيل:
-    حي بن يقظان للسهروردي: سميه بطل قصة "الغريبة الغربية"..
-    سلامان وابسال- لجامي
-    قصة النقادة لغراسيان
-    قصة روبنسن كروزو
-    قصتا رديا، كبلنج "كتاب الادغال" و "الكتاب الثاني للادغال"
-    طرزان
-    عشرون قصة تروي مغامرات بومبا، كتبها روي روكو ود ونشرت في نيويورك بين سنتي 1926-1938 اولاهما      قصة "بومبا صبي الغابة".
-    قصة تام ابن النمر المنشورة في نيويورك 1931 وهي لاوتيس الدبرت كلين.
-    قصتان: طريق الاسود- كاسبا الرجل الاسد.
-    اربع قصص كتبها وليم .ل. شيستر، ونشرت في نيويورك بين سنتي 1935-1938 بطلا الصبي كوجا.
-    تسع قصص كتبها موريس ب. غاردنر، ونشرت في بوسطن سنة 1936 بطلها بانتان.
-    قصة هير وابن الادغال لجون فلاندرز (جان راي) في بلجيكا سنة 1936.
-    قصة كا زار، لبوب بيرد، ونُشرت سنة 1937
-    قصة "شركا ملك القرود" نشرت في فرنسا بين سنتي 1938-1939.
-    قصة راهو رجل الغابة
-    قصة "الولد الدولفين" المنشورة في نيويورك سنة 1967.

ويذكر محقق الكتاب ان قصة حي بن يقظان أثرت في الآداب الاوربية بعد عصر النهضة، وذلك بعد ان ترجمت الى لغات اجنبية مختلفة: اللاتينية، الهولندية، العبرية، الانكليزية، الالمانية، الاسبانية، الفرنسية.
كما يشير مقدم الكتاب ومحققه الى فن النصوص المصورة الذي حفل بنظائر حي بن يقظان على نمط طرزان مثل "تارغا"، "تيم"، "تاو"، "يورغا"، "توغار"، أكيم"، "تامار".

 

 

 


 اعلى الصفحة

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006