الصفحة الرئيسيةاسرة المجلةحوار وتحقيقاتفضاءاتنتاجات نسويةصحافة نسويةمبدعاتنساء في الذاكرة     العدد الثامن- ايار 2010

اهلا و سهلا بكم في مجلة الفردوس الالكترونية الصادرة عن دار الكتب و الوثائق
                                                                                                                                                                                                    

 
الأعشاب الطبية

                                     الأعشاب الطبية ... بين الداء والدواء . وهل هي نقمة أم نعمــة                

إن أسرار الطب البديل ( الحديث ) ليست وليدة اليوم ، فلو تصفحنا كتب التأريخ القديم لوجدنا إن الفراعنة في مصر منذ آلاف السنين ، هم  أوائل من إستخدم الوسائل الطبية والمعتمدة على النباتات مثل الحشائش والزهور والأوراق والجذور ، والثمار ، إذ لكل منها خاصة أو ميزة معينة تناسب كيمياويا أحد الأمراض التي يشكو منها المريض ، أو على الأقل تخفف الآلام أو الأعراض .
فعندما كان الطبيب الكاهن في عصر الفراعنة يصف منقوع جذورشجرة الرمان لمريض مصاب بالديدان الطفيلية ، لم يكن في ذلك مجانبا للحقيقة ، لأن الجذور ــ  في الواقع تحتوي على مادة طاردة للديدان .. أو عندما كان يصف لمريض مصاب بتوعك في بطنه زيت الخروع المسهل الملين ، فأنه لم يكن في ذلك مخطئا .
والخروع نبات معمر موطنه الأصلي أفريقيا ويحوي على مادة ألريسين السامة فتناول قدر ضئيل من بذوره ضار جدا ، وقد يؤدي للوفاة بالنسبة للإنسان والمواشي ، وقد عثر على بذوره في المدافن المصرية القديمة وذكر إن زيت الخروع كان يستخدم في إضاءة القناديل وثماره ذكرت في كثير من الأدوية لعلاج الأطراف الصداع ، آلام البطن والمعدة والقولون ودواء لعلاج الغدد .
ولقد إستخدم الطب الفرعوني عصير أو إفراز بعض النباتات في تخفيف الالام وكانوا يستخلصونه من نباتات الخشخاش ( الذي يستخرج منه الأفيون ) .
والخشخاش نبات يزرع كمحصول طبي في مصر أساس تركيبه الكيمياوي هو المورفين ومفعوله مسكن ، مخدر ، منشط ومنبه . وفي العصر القديم كان يستخدم مرطبا للجسم والى جانب إستعماله وتأثيره المخدر كان يستعمل قديما في الحرب حيث كان يبعث الحماس ، ويثير عاطفة الحب ويسبب أحلاما سعيدة ، إلا أنه ظهرت له آثار جانبية على من يستعملونه كثيرا ، إذ أصبحوا يصابون بالغيبوبة والبلادة والإضطراب ، وفي الطب الحديث يستعمل الخشخاش في مداواة الخدوش والإلتهابات الجلدية .
ولاشك أن أطباء العرب القدامى كان لهم طول وباع في علاج كثير من الأمراض بواسطة الأعشاب الطبية ، ولقد نقل عنهم علماء الغرب هذه الصنعة لكنهم زادوا عليها ، وبدأوا في تنقيتها وتحليلها ومعرفة تركيبها الدقيق علهم يستطيعون تجهيزها في المعامل بالتخليق ، ثم تجربة كل مادة منها على حدة على الحيوان والإنسان ليعرف تأثيرها على الجسم والجهاز العصبي خاصة ، وليفرقوا بين النافع منها والضار ، ويحددوا الجرعة المناسبة لأن معظم هذه المواد إذا أسيء إستخدامها جاءت بنتائج عكسية وقد تورد الإنسان موارد الهلاك ، إذ أنها تحتوي على سموم قاتلة .. ولهذا كان لابد أن نعترف إن بها الداء ، وبها الدواء ومن أجل هذا دأب العلماء على تصنيفها وتقسيمها الى أنواع وعائلات ، وأكبر هذه العائلات على الإطلاق هي عائلة أشباه القلويات أو القلويدات ــ كما يعن للبعض تسميتها ( الكالويد ) ، وهي جميعا ذات مرارة في المذاق ، لأنها تتشابه في شق كيمائي يميزها عن غيرها ، ويعطيها صفتها التي تصبح بمثابة بصمة أو هوية ترشد الكيمائي الى طبيعتها ! .
ولاشك أن معظم الناس يتناولون هذه القلويدات يوميا على هيئة نيكوتين في التبغ والسكائر ،أو الكافين في القهوة والشاي والكاكاو ، هذا ومما يذكر إن النيكوتين سام ، ويدخل أحيانا في تجهيز بعض المبيدات الحشرية ، لكن الكافين منبه ومنشط وله فوائد طبية ، إذ قد يدخل في تركيب الأدوية المستخدمة للصداع ، أو في حالات الإسهال ، وضد بعض حالات التسمم الناتجة عن المورفين ( وهو أيضا من القلويدات ) .
ولقد فصل العلماء حتى الآن أكثر من خمسة آلاف مادة من أشباه القلويات ، وتم عزلها من أكثر من 97 عائلة نباتية زهرية تضم كل منها أجناسا وأنواعا وسلالات شتى .. خذ على سبيل المثال العائلة الباذنجانية التي ينطوي تحت لوائها عشرات الأجناس ، ومئات الأنواع .. منها البطاطس والطماطم والباذنجان ، وهي تستخدم كطعام ، ومنها التبغ الذي يعدل المزاج ( للمدخنين بالطبع ) والفلفل الأحمر الذي يدخل ضمن البهارات ، ومنها أيضا نباتات برية مثل عنب الديك ، وسم الفراخ ، والعوسج ، ومنها نباتات الزينة مثل البيتونيا والسيسترام ومنها النباتات الطبية مثل نبات البلادونا والداتورة والسكران ، ورغم إن هذه النباتات الأخيرة سامة ،إلا أنها تحتوي على مواد طبية لتهدئة الأعصاب ، وعلاج الربو ، وتوسيع حدقة العين ، وجلب النوم  وتخفيف ألم الروماتيزم .
على أن بعض العائلات النباتية مثل العائلة الخشخاشية تتميز عن غيرها بأن جميع أنواع النباتات التي تحتويها ضليعة في تكوين أشباه القلويات ، ولم يكتشف العلماء حتى الآن نوعا واحدا من هذه المواد .
وطبيعي إننا لانستطيع أن نتعرض لالآف السموم أو الأدوية التي تكونها النباتات الطبيعية لكن يكفي أن نذكر إن طبيعة السم أو الدواء تختلف من نبات الى آخر في التركيب والتأثير على الإنسان والحيوان ولهذا أطلق الناس على بعضها مسميات تنبىءبحالها ، كنبات الشيطان ، أو نبات الجنون ، أو النار ، أو الملاك القاتل ( وذلك لأن زهور النبات جميلة وقاتلة ) أو الحريق ..الخ ..
فبعض هذه النباتات تحتوي قلويدات غير ضارة في ثمارها غير الناضجة . لكنها إذا أكلت ، تحولت في عملية الهضم الى مركبات أخرى سامة ومنها على سبيل المثال مركب السيانور السام ( في اللوز المر) ، فتظهر أعراضه على هيئة تشنجات وصعوبة في التنفس وإنتفاخ قد يتبعه موت في غضون ساعة واحدة ، خاصة إذا كانت الجرعة كبيرة ... وأحيانا يظهر أثر بعض هذه السموم على هيئة إنسياب في اللعاب أو صداع وقيء وغثيان ، أو إضطراب في القلب ، أو تشنج في العضلات ، أو رعشة ،أو طفح جلدي أو شلل .. الخ .
وأيا كانت الإمور ، فان أشباه القلويات ــ مع ذلك ــ قد جاءت هدية من النباتات للإنسان .. لكنها هدية تحمل في طياتها نعمة ونقمة ،، نعمة إستخدام بعضها كدواء ، أو لتخفيف الآلام ، ونقمة لأنها قد تسم أو تتلاعب بعقول البشر ، وقد تؤدي الى الإدمان .    

                                                                                                                                                         اعداد / يسرى حسين

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006