مقدمة (بقلم د.سعد بشير اسكندر,المدير العام لدار الكتب والوثائق)

    تلعب دار الكتب والوثائق دورا مهما في خدمة الحياة الثقافية والفكرية والعلمية من خلال جمعها للكتب وتوثيق الملفات الرسمية وشبه الرسمية والأوراق الشخصية، والتي تشكل بمجموعها مصدرا اساسيا لمختلف المعلومات المتعلقة بتطور اوجه الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية منذ تشكيل العراق الحديث بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى. وتقوم الدار بنشر الثقافة والتراث العراقي العلمي والادبي والفني من خلال تقديم الخدمات المختلفة للمستفيدين من طلبة الدراسات العليا والباحثين العراقيين والأجانب. ومنذ نهاية العام 2003، سعت الدار الى وضع حداً لعزلتها الثقافية، التي فرضها النظام الشمولي المقيت، من خلال الدخول في علاقات خارجية ايجابية تقوم على اساس التعاون الفني وتبادل النتاج الفكري والخبرات مع مختلف المؤسسات الثقافية الاقليمية والعالمية.لقد تعرضت الدار كغيرها من مؤسسات الدولة المهمة الى عملية تخريب مقصودة في أعقاب سقوط النظام السابق مباشرة (10-12 نيسان 2003،). ألحقت النيران وأعمال السلب أضرار بالغة مادية ومعرفية هائلة سببت في تدمير البنية التحتية للدار. لقد أُصبيت بناية الدار الرئيسة باضرار بالغة حيث فقدت جميع أجهزتها ومستلزماتها المكتبية، كالكمبيوترات واجهزة الاستنساخ والطابعات وكاميرات المايكروفيلم. والاهم من كل ذلك، خسرت الدار ما يقارب 60% من مجموعاتها الارشيفية ، من ضمنها وثائق وسجلات الدولة الرسمية) اضافة الى ما يقارب 20% من مجموعاتها المكتبية، خاصة المؤلفات النادرة. باختصار تقع مسؤولية ما أصاب الدار من اضرار مادية ومعرفية على عاتق أصحاب القرار الثقافي في النظام السابق، الذين أهملوا واجباتهم تجاه حماية الموروث الثقافي للبلد.

    ان النهج الجديد الذي إتخذته الدار يتلائم مع بناء عراق جديد يستند على الديمقراطية والاتحادية والتعددية الثقافية. وبالتلائم مع النهج الجديد سعت الدار الى تحقيق جملة أهداف منها: 

·         ”تعريق” نهج الدار في تكوين مجموعاتها الكتبية والارشيفية وتطويرها بشكل يتناسب مع الطبيعة التعددية للعراق على الاصعدة الاثنية والدينية والفكرية والمناطقية.

·        خلق بيئة صحية وصحيحة لتطوير نشاطاتها وإداء مهامها من خلال تشجيع طرح الأفكار الجديدة واخذ المبادرات على كافة المستويات، الدنيا منها والعليا. وتمت “دَمَقرَطة الحياة الداخلية للدار سواء عن طريق عقد لقاءات دورية بين المدير العام وعامة المنتسبين لتبادل وجهات النظر حول المشاكل العالقة واوضاع الدار والتطورات التي تشهدها أو عن طريق تشجيع المنتسبين على اختيار ممثلين لهم بشكل دوري منظم لكي يُحسّنوا من أوضاع العمل وإتخاذ آلية المراقبة الجماعية لاجتثاث جذور الفساد الاداري والمالي المستشري.

·        جعل منتتسبي الارشيف والمكتبة متعددي المهارات والخبرات من خلال إشراكهم  دورات تدريبية وتكليفهم  بمهام مختلفة للقضاء على الرتابة وسد الاحتياجات في حالة حدوثها.

·        احتواء الثقافة الذكورية المسؤولة عن حرمان العناصر النسوية ذات الأكثرية العددية من تحمل مسؤوليات كبيرة، على الرغم من وجود عناصر المؤهلات والكفاءة والحرص. في هذا السياق فسح المجال لعدد من المنتسبات المتميزات لإداء دورا اساسيا في صنع القرار وتنفيذه من خلال تحمل مسؤولية ادارة عدد من الأقسام بما يتناسب مع خبرتهن وكفاءتهن ودرجتهن العلمية. ولاول مرة في تاريخ العراق الحديث تتشكل جمعية نسوية داخل احدى مؤسسات الدولة تدافع عن حقوق النساء بشكل عام والمرأة العاملة بشكل خاص.

·        اجتثاث فكر البعث الاقصائي المتميز بطبيعته العنصرية والطائفية، وذلك عن طريق إخراج آلاف من المطبوعات الدعائية المكررة من مجموعات الدار المكتبية العائدة الى رجال النظام المقبور ووعاظ السلاطين من فئات المتعلمة الانتهازية. وفي هذا السياق نسقت الدار مع هيئة إجتثاث البعث بهدف حصر الكتب ورسائل الماجستير والدكتوراه ذات الطبيعة الدعائية المؤدلجة التي تتنافى مع أبسط القواعد الاكاديمية.

·         إلغاء شعبة المؤلفات الممنوعة التي تعارضت محتوياتها مع فكر البعث التسلطي والعنصري والطائفي. ويُذكر ان الشعبة المذكورة أحتوت على العديد من المطبوعات اليسارية والليبرالية والشيعية والكردية.

    في النهاية نؤكد انه رغم المعضلات الجسيمة التي تواجهها الدار بسبب سياسات النظام البائد، كالنقص الكبير في الكوادر المتخصصة وانخفاض مستوى الخبرة وبؤس الامكانيات المالية، فإنها تسعى الى تحديث نفسها عن طريق ادخال التكنولوجيا الحديثة وإدخال منتسبيها في دورات تدريبية داخلية وخارجية بصورة مستمرة وأعادة تطوير مجموعاتها الارشيفية والمكتبية وسد النقص الحاد فيها من خلال التعاون الثقافي مع  المؤسسات والمنظمات المتخصصة العراقية والاقليمية والدولية ومن خلال ممارسة الضغط على الحكومة الاتحادية المركزية من اجل مضاعفة ميزانيتها السنوية.

     في الختام لا بد لنا أن نشيد بجهود جميع تلك المؤسسات الدولية والبلدان الاجنبية، التي ساعدت الدار في إجتياز محنتها الكبيرة، من خلال تقديم الاجهزة المختلفة وتوفير الدورات التدريبية الضرورية والمطبوعات، ونخُص بالذكر منظمة جسر الى بغداد الايطالية وحكومتي إقليم تاسكوني واقليم لومباردي الايطاليتين ووزارتي الثقافة والخارجية الجيكية ومؤسسة غيما-آرت الجيكية والمكتبة البريطانية والارشيف الوطني للمملكة المتحدة والسفارة البريطانية في بغداد  وكلية سيمونسن (بوسطن) وجامعة هارفرد وجامعة UCLA (لوس أنجلوس) وموظفي اليونسكو العاملين في مدينة بغداد.

 


اعلى الصفحة

 

 

© جميع حقوق النشر محفوظة لدار الكتب والوثائق 2006